وزارة بلا سلاح
سلمت البلد واحدا من أفضل أبنائها البررة المرحوم الدكتور غازي القصيبي, أصعب مهمة في اقتصاد المملكة, ولكن مع موهبته الطبيعية وسعة ثقافته وطول خبرته بيروقراطياً وتكنوقراطياً إلا أنه لم يستطع حلحلة وزارة العمل. السبب الرئيس أن مسؤولية “سوق العمل والعمال” تتعدى سلطة الوزارة. ليس من العدل مطالبة الوزارة بأنظمة ولوائح قابلة للتطبيق الفعلي والعملي دون أن تندرج هذه الأنظمة تحت مرجعية سياسية واضحة - المقصود بالسياسية هنا - سياسة الدولة في التنمية. اقتصار مهمة الوزارة على منظومة ما هو متوافر الآن من آليات لن يحل إشكالية البطالة والإنتاجية, وبالتالي لا تستطيع الوزارة أن تكون عاملا إيجابيا مؤثرا في اتجاه الهدف الأهم ـ التنمية الاقتصادية. بل إن الوزارة ستستمر مصدر إعاقة أو تشك أو سلسلة تنازلات تحت مسمى المرونة دون أن تكون جزءا عضويا مساهما في عملية التنمية.
حلّ وزير جديد في ظل هذه الخلفية الصعبة, وحقيقة أن الإنسان في سوق العمل هو الغاية والهدف مما يجعل المهمة تختلف نوعاً عن أي وزارة أخرى؛ قد يستطيع إعادة هندسة الجهاز البيروقراطي وقد يكسب بعض النقاط في سلم العلاقات العامة ولكنه لن يستطيع تحقيق الأهم في ظل فقدان سياسة عمالية عليا واضحة. فالموضوع أهم من السعودة بمعناها المتداول والهش. يحكم أي سياسة عمالية هادفة ثلاثة عناصر أولية نسردها حسب الأهمية؛ أولاً أن يكون النمو الاقتصادي هو الطريق، فكلما كبر القرص استفاد أناس أكثر وأكثر في جميع الطبقات والمهن، ثانياً قبول حقيقة أن سوق الأيدي العاملة مثل أي سوق آخر له معادلة عرض وطلب خاصة أن اقتصاد المملكة مبنى على سياسة اقتصاد السوق أو هكذا نذكر رسمياً فتوازن العرض والطلب ضروري لسلامة السوق، ثالثاً حقيقة أن العامل التربوي وليس التعليمي فقط لم يعط حقه في السياسة العمالية. نبالغ كثيراً في “الحاجة” إلى التعليم ونقصر في تعميقه.
إذا أغفلنا العنصر الأول يصبح السباق إلى الحد الأدنى وليس الأعلى ولذلك قد ترتفع نسبة السعودة ولكن نكون كلنا فقراء في سعودة كاملة. هيكليا يعاني سوق العمل من تشوهات شنيعة، فمثلاً هناك من يدعى أن سبب الزيادة في الاستقدام هو قلة التعليم ولكننا نستقدم أنصاف متعلمين لوظائف لا تتطلب تعليما ونستقدم غير مؤهلين للتعلم لدينا. السبب يعود إلى أننا لم نحكم معادلة العرض والطلب فالجوازات ليس لها علاقة مباشرة وواضحة مع صانعي السياسة العمالية, والتعليم يساء فهم دوره في تكوين سوق العمل وليس جزءا عضويا في تحليل سوق العمل, كما أن هناك إغفالا في التركيبة السكانية وعلاقة ذلك بمعادلة العرض والطلب وتصنيف سوق العمل. فقدان هذا الإطار يجعل سوق العمل في تنام بينما البطالة في تزايد، فعلى سبيل المثال هناك 113 ألف طالب عمل على 700 وظيفة جندي بالدفاع المدني، كما ورد على الصفحة الأولى في جريدة “الرياض” بتاريخ 29/8/2010.
تحليليا يجب علينا الحذر من خلط الأسباب مع النتائج، فمثلاً هناك قلة في استخدام التقنية والآلات في كل نواحي الحياة كبديل للعمالة الرخيصة الأجر. العامل “المسترخص” فرصة استثمارية للمستفيد الأول ولكنه لا ينفع الاقتصاد ككل, بل يسهم في تأخير التطوير الفني والرأسمالي وتراكم المعرفة. المراهنة على وزير جديد دون تسليح الوزارة لهدف إعادة شاملة لهيكلة سوق العمل لن تغيّر شيئا, بل إن التأثير قد يكون سلبيا لتراكم العيوب وتآكل المصداقية وصعوبة حلها لاحقاً.
الأجدر أن تكون الوزارة في قلب الحديث والحدث الاقتصادي, وأن تكون السياسة العمالية ركنا أساسيا في السياسة الاقتصادية.