حرية الاختلاف لا حرية التعدي!
الاختلاف سنة كونية وحتى الصراع والتنافس ودفع الناس بعضهم بعضا أمر فطري ومطلب لإعمار الأرض، فالله خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف ونتآلف ويكمل بعضنا بعضا. أما فيما يتعلق بالعقائد فالمبدأ القرآني يؤسس للحرية العقائدية ''لكم دينكم ولي دين''، وهو مبدأ يضمن استمرار التعايش بين الناس حتى مع اختلافهم في العقيدة، لأن جميع البشر مستخلفون في هذه الأرض، وعليهم تقع مسؤولية إعمارها، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بتعاونهم والتعايش مع بعضهم بعضا على الرغم من هذا التباين العقائدي. هذا المبدأ القرآني العظيم وإن بدا في ظاهر الأمر عزل الناس عن بعضهم عقائديا، إلا أنه في الواقع يضع حدودا ويحدد ملامح للعلاقة بين المختلفين على أساس من الاحترام المتبادل ومنع التعدي والصراع الجدلي دون تفكير ووعي. فالقصد أن تقيم كل فرقة منطلقاتها وأسس تفكيرها في دائرة معتقدها قبل التحاور مع الآخرين، لا أن تحمل أحكاما مسبقة في محاولة ويكون همها تقويض مبادئ الآخرين وتسطيح آرائهم. الأدهى والأمر عندما تقوم العقيدة على السب والشتم واللعن والتأجيج العاطفي الطائفي والتعدي على الآخر بما يعتبره مقدسا إما بشتم رموزه أو تمزيق أو حرق كتابه أو الكذب وتلفيق التهم في منهجه أو تشويه صورته باختلاق القصص والروايات التاريخية المكذوبة والمشوهة، ليكون ذلك هو محور المجادلة وإثبات شرعية العقيدة ليعطل بذلك المبدأ القرآني ''لكم دينكم ولي دين''، وهنا تختفي نقطة التماس التي أرادها الله أن تكون بذرة للتفاهم والتعايش بين المختلفين وبداية لجسر التلاقي والتوافق، فاحتواء الاختلاف بل والانطلاق للحوار الإيجابي يكون في التزام كل أناس بحدود دوائرهم العقائدية دون التعدي على دوائر الآخرين، وإلا كانت هناك فوضى عارمة وضجيج لا يؤدي إلى الغاية المطلوبة، وهي التعايش السلمي ومقارعة الحجة بالحجة والإثبات بالدليل والمنطق والتعلم والوصول إلى الحقيقة والصراط المستقيم الذي يدخل الجنة ويبعد عن النار، فهذا هو الفوز الكبير والغاية العظمى لكل أحد، وإلا ''كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ''. الفوز ليس لمن يلعن أكثر أو يحرق الكتب المقدسة أو يكذب أو يلهب حماس مستمعيه بالكراهية والعداء أو أن يعلي الصوت ويصرخ بكلمات نابية في محاولة يائسة عن الإعلان عن النفس والبحث عن الشهرة والإثارة الإعلامية، وإنما العمل الصالح الذي يرضي رب العالمين وليست جموع الغوغائيين الذين يرددون كالببغاوات شعارات لو فطنوا لها ووعوها لعلموا أنها لا تضيف إليهم إلا خسرانا ووبالا، فهي معاول لهدم الذات الإنسانية وفطرتها السليمة وتعطيل للتفكير الإيجابي لتنتهي بإفراغ ما في جيوبهم من مال بعدما أفرغت أفئدتهم من مشاعر الحب وعقولهم من التفكير السوي. والمسلم على وجه الخصوص مطالب بتنزيه لسانه عن كل ما يخدش عقيدته الصافية التي تقوم على المحبة والرحمة والقول بالحسنى حتى لأولئك الملحدين المشركين نهينا عن سبهم، فما بال أقوام من المسلمين يشتمون ويلعنون أصحاب رسولهم وأزواجه أمهاتهم ''وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون''، بل نحن مأمورون بنص القرآن أن نقدم الحسنى ونبادر إلى حسن الظن والصبر على أخطاء الآخرين والتسامح، لأنه يقود إلى التآخي والتعاون والتعارف، السبب في التنوع والاختلاف البشري ''وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ, فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ''، بل أن نقدم الحسنى والتلطف بالقول حتى مع من علا وتجبر وبلغ في الجهالة مبلغا وادعى الألوهية، فهذا التوجيه الرباني لموسى وهارون للذهاب إلى فرعون لمناظرته مع إثبات طغيانه ''اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى''.
ما حدث في الأسابيع الماضية من تعديات صارخة من البعض على الإسلام والمسلمين، إما من خارجه كخطة القس الأمريكي المتطرف تيري جونز لحرق القرآن أو بالنيل من أم المؤمنين عائشة والصحابة على وجه العموم من أحد المحسوبين على الإسلام ينم عن عقائد يملؤها الحقد والكراهية. أما في الحالة الأولى فالأمر على عظمه أهون، إذ إنه يصدر من متطرف لا يمثل الدين المسيحي الذي يأمر أتباعه بالتسامح ويرفض التعدي على الآخرين، وقد قام الكثير من القساوسة والحكومات الغربية برفض هذا العمل الشنيع والتبرؤ منه، وأنه لا يمثل قيم ومبادئ دينهم، وهذا لا يلغي أن هناك منهم من لا يطبق أو يتبع تعاليم دينه ويعمل النقيض. أما الطامة الكبرى فهي في أولئك الذين يتسمون باسم الإسلام، ولكنهم يفرغونه من معانيه فلا العقيدة هي العقيدة ولا الفقه هو الفقه ولا التعاليم هي ذاتها التي أبلغها الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ، ولذا فالتطرف ليس حالة فردية شاذة لمعتوه يعتذر عنها، ولكن المنهج بأكمله متطرف، فما فعله هذا المعتدي على أم المؤمنين إنما هو تصريح وانعكاس لما مُلئت به كتب القوم من سَبٍّ وشتم ولعن لرموز الإسلام، الهدف منه تقويض الإسلام الصحيح وتدميره كما دمرت إمبراطورية فارس. ولذا لا يكفي أن يعلن البعض عن شجبهم للتصريح بهذا الكره والشتم، فهذه دبلوماسية ومناورة سياسية وحفظ للمصالح، وإنما تجب عليهم إدانة تلك الكتب المرجعية التي تقرر اللعن والسب وتجعله جزءا من الدين والعقيدة!
لقد عاش عامة المسلمين ردحا من الزمان يظنون خيرا بتلك المذاهب المغالية، ويسعون إلى التقرب والتقريب وبذل أسباب الاجتماع والتوافق معها، حتى بدأت تظهر على السطح عقيدتها والتجرؤ بشرح معتقدها في وسائل الإعلام، ولم يستنكفوا عن التصريح بما في كتبهم من كراهية وحقد لإخوانهم المسلمين من القرون الأولى وحتى وقتنا الحاضر، ويتعرضوا لهم بالسب واللعن وإخراجهم من الملة، ليصاب عموم المسلمين بالذهول والاستعجاب من حجم الهوة بينهم وبين هؤلاء الذين ينقضون الدين الإسلامي من قواعده ومرتكزاته الرئيسة وكل ما يتعارض مع الفطرة السليمة. فكيف يكون الالتقاء والحوار مع من لم يرتضِ المبدأ القرآني ''لكم دينكم ولي دين'' كحد أدنى دون التطاول والتعدي على إخوانهم في الدين. فهؤلاء هم الوحيدون على وجه الأرض الذي يقوم مذهبهم على التعدي وعدم التزام حدودهم في دائرة معتقدهم، فالملحدون إلحادهم بأنفسهم، والكافرون يكونون في دائرة كفرهم لوحدهم، وعقائد الأديان الأخرى سماوية كانت أم أرضية جميعها لا تتدخل في معتقدات الآخرين فضلا عن أن تقوم بالسب والشتم. إن حرية المعتقد والاختلاف لا تعني التعدي، ومتى كان ذلك أصبح من اللازم إيقاف هؤلاء عند حدهم وتجريمهم نظاما وقانونا، فالحرية تنتهي عند بداية حرية الآخرين.