مؤسسة خادم الحرمين العالمية والتنوع في العمل الخيري
صدر الأمر الملكي بتاريخ 29 رمضان لعام 1431هـ بإنشاء مؤسسة الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمية للأعمال الخيرية والإنسانية. يأتي هذا الأمر في أواخر أيام رمضان الكريم شهر الخير والعطاء ـــ نسأل الله أن يبارك لخادم الحرمين الشريفين في ماله وجهوده في عمل الخير.
لعل من أبرز ملامح مؤسسة الملك عبد الله التنوع في مناشطها، حيث إنه, كما جاء في تصريح الأمير خالد بن عبد الله بن عبد العزيز نائب رئيس مجلس أمناء المؤسسة, من مناشط المؤسسة بناء المساجد والمراكز الإسلامية ودعمها، ودعم جهود الحوار بين أتباع الحضارات والأديان وتشجيعها، وإعداد البحوث والدراسات ونشر معاني الوسطية والاعتدال والتسامح، والقيام بجميع الأعمال والخدمات ذات الصلة بتعليم الشريعة الإسلامية، وإنشاء الجامعات والكليات والمدارس والمعاهد والمستشفيات والمصحات، تخصيص الكراسي العلمية والبحثية باسم المؤسس في المؤسسات التعليمية، تقديم المساعدات والمنح للباحثين والدارسين في شتى أنواع العلوم، وإقامة الدورات والندوات والمؤتمرات ذات الصلة بأغراض المؤسسة، وتشجيع أعمال الترجمة ''من اللغة العربية وإليها'' المتعلقة بأغراض المؤسسة، نشر الكتب والمذكرات والدوريات والتراجم والوثائق ذات الصلة بأغراض المؤسسة، تقديم المساعدات للمحتاجين وتوفير السكن لهم وإقامة المشاريع الإنتاجية، التعاون مع المؤسسات والمنظمات والهيئات والجامعات.
ولعلنا ومن خلال ما هو سائد في كثير من المؤسسات الخيرية, التي قدمت جهودا مباركة يشكر القائمون عليها, فإن العمل الخيري يقتصر على مجالات محدودة في أغلبيتها تستهدف إيصال التبرعات مباشرة إلى الفقراء، وهذا بلا شك أسهم في سد حاجة كثير من المحتاجين، إضافة إلى مجالات مثل توزيع نسخ من القرآن الكريم، والكتب الشرعية المفيدة، وبناء المساجد، وإعانات للشباب مثل الإعانة على الزواج، إضافة إلى جهود إغاثية للمحتاجين من المسلمين في دول مختلفة من العالم، وهذه بلا شك جهود لها دورها في خدمة المجتمع.
وتأتي مؤسسة خادم الحرمين الشريفين لتعزز جهود المؤسسات الخيرية التي تزخر بها المملكة، وتضع أسسا لمجالات أخرى من العمل التطوعي والخيري والإنساني، فعلى سبيل المثال فيما يتعلق بتقديم المساعدات للمحتاجين وتوفير السكن لهم وإقامة المشاريع الإنتاجية، فإن هذا يبرز أمرا مهما في دعم المحتاج وهو أهمية أن يكون الدعم له يخدمه وأسرته وذريته على المدى الطويل، لتلبية احتياجاته ومساعدته على الوصول إلى الكفاف، وعدم اللجوء إلى الصدقة مما فيه مذلة ومهانة، كما أن في هذا البرنامج تحويل المحتاج من فرد سلبي عالة على المجتمع، إلى عنصر إيجابي منتج يقدم خدمة مهمة للمجتمع، ويحقق الكفاية له ولأسرته وذريته وتلبية احتياجاتهم سواء كانت الصحية أو التعليمية أو الاحتياجات العامة، وأن ينخرطوا في المجتمع بصورة إيجابية.
أما فيما يتعلق بدعم البحث بشكل عام والترجمة, وذلك من خلال تخصيص الكراسي العلمية والبحثية باسم المؤسس في المؤسسات التعليمية، تقديم المساعدات والمنح للباحثين والدارسين في شتى أنواع العلوم، وتشجيع أعمال الترجمة ''من اللغة العربية وإليها'' المتعلقة بأغراض المؤسسة، فإن العالم الإسلامي والعربي يعاني فقرا كبيرا في دعم البحث العلمي, الذي هو أساس الرقي بالحضارات والمنافسة العالمية، فالعالم المتقدم اليوم يشهد ثورة كبيرة في مجال البحث والابتكار والتقنية، ولم يعد ذلك اليوم حكرا على حضارة معينة كما كان سابقا في الحضارة الغربية, بل إننا نشهد تقدما اليوم في أمم كانت إلى وقت قريب في مراتب متأخرة عالميا، مثل الصين والهند، وقبلهما كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة، وغيرها من دول كثيرة في العالم، ما يؤكد أن الأمة العربية والإسلامية والمملكة إذا أخذت بأسباب الارتقاء والتقدم فإن فرصها كبيرة في ذلك، وخادم الحرمين الشريفين كان له مساهمة سابقة كبيرة في ذلك بإنشاء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، ودعم إنشاء مراكز لأبحاث تقنية النانو في جامعات في المملكة، منها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، إضافة إلى جوائزه ـــ حفظه الله ـــ فيما يتعلق بالترجمة ودعمها، ويأتي إنشاء المؤسسة ليعزز هذا الدعم ويعطيه فرصة الاستدامة للاستمرار في دعم مجالات متعددة ومهمة في البحث والترجمة.
كما أن المؤسسة سيكون لها ـــ بإذن الله ـــ دور كبير في تعزيز احترافية عمل المؤسسات الخيرية على مستوى المؤسسات الخيرية في المملكة والعالم الإسلامي، من خلال إعطاء صورة نموذجية لما ينبغي أن تكون عليه المؤسسات الخيرية والإنسانية، ومن خلال حسن إدارة الموارد والتنوع في الأنشطة والبرامج الذي يحقق بدوره تلبية احتياجات المجتمع في شتى المجالات، والتنمية المستدامة، والارتقاء بالوطن والمواطن بالعلم والمعرفة.