رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


بين «سما» و«الاتصالات» .. أن تسمع «بالمنافسة» لدينا خير من أن تراها

أتذكر قضية شغلت الرأي العام في بريطانيا أيام رئاسة توني بلير، ذلك أن شركة لمناجم الفحم في ويلز تفاوضت مع الحكومة كثيرا حول موضوعات تنافسية عدة وأكدت أنها تواجه صعوبات في ذلك, لكن البيروقراطية البريطانية المعهودة أدت إلى نفاد صبر الشركة التي قررت فصل خمسة آلاف موظف دفعة واحدة. جن جنون الحكومة البريطانية ذلك أنها كانت مقبلة على فترة سياسية صاخبة جدا وتحتاج إلى دعم شعبي واسع, كما أن قرارا مثل هذا سيضيف نقطة إلى رقم البطالة ونقاطا إلى بنود الأمن الاجتماعي, وسيثير حتما العمال, خاصة أن حزبهم كان يحكم بريطانيا في ذلك الحين فكيف بالحال لو أنه خارج الحكومة؟ كان يبدو أن قرار الشركة مفاجئا إلى حد بعيد للرئيس البريطاني, لأنه قرر أن يذهب بنفسه لمقابلة أعضاء مجلس إدارة الشركة وتجنب العواقب الوخيمة لمثل هذا القرار.
إحدى أكبر قضايانا الاقتصادية أن اقتصادنا غير واضح المعالم. كتب فواز الفواز عن هذه المشكلة بكل وضوح في ''الاقتصادية'' بعنوان ''التطرف الاقتصادي'', وكتبت عن هذه القضية قبلا في مقال بعنوان ''الحديد والأسمنت ومتاهات الاقتصاد السعودي''. ويأذن لي فواز كي أقتطع هذه العبارات من مقاله فهو يقول: ''.. نحن رأسماليون إلى العظم في الكثير من الممارسات الاقتصادية، ونأخذ بالنظام الاشتراكي، والأهم المساواة بين الكفء وغير الكفء والتسامح مع الكسول ..'', ويعود ليقول: ''... فهناك حالة تطرف في الاقتصاد تجعل الجسم الاقتصادي مشدودا ومشتتا. هذه الحالة تعوق إبراز شخصية النهج الاقتصادي في المملكة، ولذلك يصعب دائماً تحديد طبيعة الاقتصاد السعودي'', هذا وصف دقيق لحالتنا الاقتصادية, وكما أشبهها دائما بسيارة تسير بعجلة مربعة وأخرى مثمنة وثالثة مثلثة والرابعة غير موجودة، ومع ذلك يسير الاقتصاد بفعل قوى متناقضة .. كيف؟ يصعب التفسير! فببساطة نحن نفتح الباب للخصخصة والمنافسة ثم نعود نكبل حركة السوق ونحابي شركة على شركة. نمنح هذه الشركة حقوقا تعطيها ميزات احتكارية على غيرها ما يؤثر في قوى العرض والطلب ويخلق بيئة غير تنافسية، فإذا كانت هذه هي الحال فلماذا تمت الخصخصة ولماذا فتحت السوق للمنافسة؟ ولو أن الأمر منافسة بين شركات سعودية وشركات أجنبية (بلا شركاء سعوديين) لهانت القضية ولقلنا إن ذلك كله يعود لدعم الصناعة السعودية وحماية شركاتها، لكن أن تكون الشركات سعودية ويعمل فيها سعوديون فلماذا التفاوت في الدعم ولماذا مد يد العون لشركة دون أخرى؟ إن مثل هذه الإجراءات غير المبررة اقتصاديا هي التي جعلت شركاتنا السعودية تتخبط في مواجهة الشركات العالمية في الأسواق العالمية خارج الحدود وتواجه قضايا إغراق يصعب حلها. تشوه سوق المنافسة لدينا جعل من الصعب تبرير كيف تستطيع شركة أن تبيع بالداخل بأغلى (رغم الدعم التنافسي) من سعر البيع خارجيا (رغم الضرائب والنقل والتأمين)، هذه نتيجة واحدة بسيطة لما سماه فواز التطرف الاقتصادي.
تنافسيا على شركة مثل ''سما'' وهي تواجه الناقل الوطني الأول، هذا الوضع التنافسي الكبير عرض الشركة لصعوبات مالية ستضطر الشركة معه للتوقف, وفقا لما نشرته وسائل الإعلام في الأسابيع الماضية, ولذلك قررت تسريح الموظفين ومنهم عدد لا بأس به من السعوديين. لم أسمع حتى الآن رد الجهات المسؤولة عن فقدان الشركة قدرتها على المنافسة والعمل، ولم أقرأ كذلك عن أي رد رسمي بهذا الخصوص أو حتى عن مفاوضات بهذا الشأن. (قد تكون هناك مفاوضات ولم أطلع عليها أو لم يتم الإعلان عنها ولهذا أتحفظ على هذه المعلومة). إذا كانت الشركة تقوم بكل هذا لمجرد الحصول على دعم بينما هي تسرف في مصروفاتها, فإن لجنة للتقصي والبحث قد تكون ضرورية لحماية اقتصادنا من ناحية ولحماية أبنائنا الذين سيتعرضون لفقدان وظائفهم من ناحية أخرى، أما إذا كانت القضية صعوبات تنافسية لوجود ميزات احتكارية لأحد اللاعبين في السوق على حساب الآخرين فإن الحل ضروري لمصداقيتنا الاقتصادية.
بيد أن مشكلة التطرف الاقتصادي تطل برأسها مجددا مع حالة شركات الاتصالات, فالأمر معكوس هناك وكأننا ضد التنافسية التي ندعمها في سوق النقل الجوي بشكل يؤدي إلى تسريح أبنائنا. مشكلة وضع القيود أمام التنافس في التجوال الدولي لم تستند في حلها حتى الآن إلا إلى قرار هيئة الاتصالات, وهو القرار غير المبرر اقتصاديا على الأقل. ذلك أنه في ضوء المنافسة يمكن لأي شركة أن تستخدم ميزاتها التنافسية سواء من ناحية التوسع الجغرافي أو من ناحية الاسم أو التقنية أو غيرها, ما يصنف ضمن الميزة التنافسية وليس الاحتكارية. يجب على السوق الحرة دعم الشركات لخلق ميزاتها التنافسية التي تصب في النهاية في خدمة المستهلك النهائي وليس عرقلة مثل هذه الميزات. ما يصعب فهمه اقتصاديا هو كيف أننا باسم المنافسة ندعم الميزات الاحتكارية التي تجب محاربتها وندعم رفع الأسعار بلا سبب بينما في المقابل ــ وباسم المنافسة أيضا ــ نحارب الميزات التنافسية التي تسهم في خدمة المستهلك ولا تحد من قدرات الشركات الأخرى على المنافسة الجادة. إنني أدعو ومن خلال ''الاقتصادية'' إلى عقد حوار وطني لفهم وتمييز حالتنا الاقتصادية وتحديد المسارات بشكل واضح ومن ثم بناء برنامج اقتصادي والترويج له والعمل الجاد على إرساء قواعده.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي