أين يكمن ضعف العرب والمسلمين .. فلتان الإعلام! (5)
كنت مترددا في استخدام كلمة ''فلتان'' لوصف حالة الإعلام العربي اليوم خشية أن يتهمني البعض بالتطرف في الوصف. والتردد كان مرده أيضا الخشية التي تنتابنا نحن معشر الأكاديميين من استخدام وصفات لغوية من الصعوبة بمكان تعريفها وتفسيرها. إذا، ما هو السبب الذي جعلني أجعل من ''فلتان الإعلام'' أحد العوامل التي تعصف بالكيان العربي والمسلم وتضعفه وتشوه تاريخه وأحيانا تلحق به من الضرر يفوق ما يلحقه الغزاة من أضرار بفلسطين والعراق وأفغانستان وأماكن أخرى؟
الفلتان في الإعلام لا يعني أن الكل يغني على ليلاه. الفلتان يعني أن الإعلامي ولا سيما في الوطن العربي يجب عليه أن يغني حسب ما يشاء منه أصحاب ليلى القابضين على وسائل الإعلام وإلا فلا مكان ولا حظوة لديه عندهم. الإعلام الغربي له كل الصفات عدا صفة الفلتان عندما يتعلق الأمر بفرز العدو من الصديق. أنا أتابع الإعلام الغربي ونادرا ما ألحظ أن يفلت قلم كاتب ويهاجم الجنود والمقاتلين من الأمريكيين والإسرائيليين وآخرين وينعتهم بصفات غير حميدة. وقلما يحدث أن يفلت قلم كاتب غربي ويسبغ صفات حميدة على العدو. بالعكس، فإنهم يتبارون لغويا لاستنباط تعابير تجعل القارئ يشمئز من العدو وأن يدرج حتى حسناته في خانة السيئات.
في الإعلام العربي تنقلب الآية. كثير من الكتاب العرب والمسلمين يشحذون أقلامهم للدفاع عن الذين يقاتلونهم على أرضهم. أنا لا أعرف كيف باستطاعة أي كاتب عربي منح أية صفة لغوية حميدة لجيوش الغزاة الجرارة التي لا تأتي على الأطفال والنساء والشيوخ بل حتى على الشجر والنبات والطير والحيوان. ووصل الأمر بالبعض إلى استنباط كلمات نابية لوصف الذين يفدون بأرواحهم لمقاومة الغزاة.
في علم الإعلام، أي من الناحية الأكاديمية، باستطاعتنا تحليل اللغة المستخدمة لنقل الأحداث والنشاطات والحروب والصراعات للوصول إلى النظام المؤسساتي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري الذي يقود البلد أو الأمة. والتحليل العلمي يظهر أننا أمام ظاهرة فلتان إعلامي سيكون له آثار كارثية في المجتمع العربي والمسلم إن استمر على هذا المنوال.
ما يريد الإعلام العربي إيصاله للمتلقي مفاده أن ما يحدث من مآس وفقدان للحريات والنقص الواضح في الخدمات الاجتماعية وتخلف التعليم سببه مقاومون من أمثال حماس وحزب الله والمقاومون في العراق وأفغانستان وأماكن أخرى. هؤلاء يشكلون خانة العدو في أغلب الإعلام العربي. أي صار الإعلام العربي نسخة لغوية طبق الأصل للنسخة الغربية. وهكذا كل من يمشي حسب المسلك الإعلامي هذا مُنح صفات لغوية حميدة ومن عاكسه أسبغت عليه صفات لغوية شريرة. وقس على ذلك الدول والحكومات وغيرها.
وهذا الفرز اللغوي يتخذ الآن منحى مذهبيا وطائفيا يشحنه الإعلام وكتابه بما لديهم من ملكات لغوية حتى صار اليوم بمثابة مرجل مملوء بالمتفجرات وموضوع على نار حامية متى ما انفجر أحرق الأخضر واليابس بنيرانه. الفرز المذهبي يغذيه الإعلام العربي بما أوتي من إمكانيات هائلة يغدقها عليه أصحاب ليلى. بهذا يكون عدو العرب والمسلمين الحقيقي قد نجح نجاحا باهرا لأن أقصى ما يتمناه هو أن ينساه الإعلام العربي بالمرة أو إن ذكره لن تكون ذكره إلا حميدا ومستساغا. وإن زاغ إعلامي أو كاتب عن المراد، فبإمكان العدو إسكاته بالاتصال بأصحاب ليلى للتدخل من أجل المصلحة العامة، أي مصلحة العدو.
وإلى اللقاء