أسواق المنتجات النفطية .. توقع العودة إلى الكساد
الطلب العالمي على النفط، بما في ذلك الطلب على الوقود الحيوي، لا يزال ينتعش جنبا إلى جنب مع انتعاش الاقتصاد العالمي، لكن احتمالية التباطؤ ما زالت قائمة. يقدر النمو العالمي في الطلب على النفط في النصف الأول من عام 2010 بنحو 1.5 مليون برميل يوميا، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. في الوقت نفسه أثرت أزمة الديون الأوروبية ومحاولات الصين لكبح وتيرة الاقتصاد بعض الشيء سلبيا في الاقتصاد وفي الطلب على النفط. في المتوسط من المتوقع أن ينمو الطلب العالمي على النفط بنحو 1.3 مليون برميل يوميا في عام 2010 و1.2 مليون برميل يوميا في عام 2011. حتى أن الطلب على النفط في دول منظمة التعاون الاقتصادي OECD، التي كانت الأكثر تضررا خلال الأزمة الاقتصادية، بدأ بالتحسن قليلا, هذا التحسن في الطلب على النفط يرفع من احتمالية انتعاش قطاع صناعة التكرير النفطي (المصافي).
بعد انتعاش قصير لهوامش أرباح عمليات التكرير خلال النصف الأول من عام 2010، هذه الهوامش معرضة مرة أخرى للانخفاض في كل من الولايات المتحدة وأوروبا. علاوة على ذلك، الضغط لإغلاق المصافي لا يزال مستمرا. حيث ارتفع عدد المصافي المعروضة للبيع في أمريكا الشمالية وأوروبا، كما أن شركات النفط الكبرى لا تزال تصرح بأنها ستقلص استثماراتها ووجودها في قطاع المصافي على مدى السنوات القليلة المقبلة.
السبب المباشر الرئيس لعودة الضغوط على هوامش الأرباع هو أن المصافي زادت معدلات استخدام طاقاتها التشغيلية في الربع الثاني, وذلك في محاولة منها للاستفادة من الهوامش المرتفعة. لكن، حتى مع تحسن الطلب على النفط، هذه الكميات الإضافية من الإنتاج ضمنت فقط ارتفاع مخزون البنزين ووقود نواتج التقطير الأخرى على جانبي المحيط الأطلسي. على المصافي الأوروبية ومصافي أمريكا الشمالية التقليل من معدلات طاقاتها التشغيلية بصورة أكبر من أجل القضاء على مخزون المنتجات النفطية المتراكم. السبب الآخر الذي أدى إلى عودة الضغوط على أسواق المنتجات هو استمرار إضافة طاقات تكرير جديدة. في العام الماضي، عندما انخفض الطلب العالمي على النفط بنحو 1.5 مليون برميل يوميا، ارتفعت الطاقات التكريرية للمصافي في الوقت نفسه بنحو 1.5 مليون برميل يوميا، ويرجع ذلك في معظمه إلى تشغيل مصاف جديدة في الصين، الهند, والشرق الأوسط.
الطاقات التكريرية العالمية نمت مرة أخرى في عام 2010، وكما هو الحال في السنوات القليلة الماضية معظم هذا النمو في الطاقات التكريرية حدث في البلدان غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ. حيث إن قطاع التكرير الصيني لا يزال ينمو بقوة: حيث أضاف نحو 0.5 مليون برميل يوميا من الطاقات الجديدة على مدى الأشهر القليلة الماضية. هذه الطاقات، إلى جانب التوسعات الأخرى، ستضمن نمو الطاقات التكريرية الصينية عام 2010 بصورة أكبر من النمو في الطلب المتوقع على النفط فيها في هذا العام والمقدر بأكثر من 0.5 مليون برميل يوميا بقليل. في الهند هناك مصفاة جديدة على وشك الاكتمال، كما أن العديد من التوسعات الصغيرة ومشاريع فك الاختناقات تحت التنفيذ أيضا.
على الرغم من استئناف نمو الطلب العالمي على النفط، سيكون من الصعب القضاء على الطاقات الإنتاجية الكبيرة التي نشأت في الصناعة التكريرية في أعقاب الأزمة الاقتصادية، ذلك أن طاقات إنتاجية جديدة ستضاف أيضا مواكبة لتكهنات انتعاش الطلب على النفط. للتخلص من هذه الطاقات ولتقليل الضغوط على هوامش الأرباح يجب غلق عدد أكبر من الطاقات الإنتاجية مما سبق وأعلن عنه.
لقد تم إحراز بعض التقدم في مجال تخفيض الطاقات التكريرية غير الضرورية، على سبيل المثال إجمالي طاقات التكرير الأمريكية انخفضت في عام 2010 للمرة الثانية فقط في 20 عاما تقريبا، يرجع ذلك أساسا إلى إغلاق أكثر من 300 ألف برميل في اليوم. لكن الانخفاض الصافي في الطاقات التكريرية كان صغيرا، حيث إن هذا الإغلاق قابلته إضافة نحو 180 ألف برميل في اليوم من التوسعات في مصفاة شركة ماراثون في لويزيانا، إلى جانب عدد من الطاقات الصغيرة الأخرى غير المعلنة Creep في أماكن أخرى. ما لم يحدث المزيد من الإغلاق في الولايات المتحدة، من المتوقع ارتفاع الطاقات التكريرية فيها خلال السنوات القليلة المقبلة، وذلك لأن هناك المزيد من الطاقات الجديدة تقدر بأكثر من 300 ألف برميل في اليوم من المتوقع أن يبدأ تشغيلها بحلول عام 2012. لعل الموضوع الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للصناعة التكريرية تحت وطأة ارتفاع الطاقات الإنتاجية، هو إعادة تشغيل بعض المصافي التي سبق إغلاقها في حوض المحيط الأطلسي.
الطلب العالمي على وقود النقل من المتوقع أن ينمو خلال العامين المقبلين، حيث إن نمو الطلب على البنزين، الديزل والمنتجات الداخلة في صناعة البتروكيماويات لا يزال قويا, خاصة في الصين، حيث تركز معظم نمو الطلب العالمي. معظم النمو في الصين كان نتيجة الحوافز المالية والإعفاءات الضريبية، من المتوقع أن يبقى النمو مرتفعا طوال عام 2010 حيث تأثير الحوافز الاقتصادية لا تزال مستمرة، على الرغم من أن المخاطر ما زالت قائمة بخصوص حدوث تباطؤ في الاقتصاد الصيني أكثر مما كان متوقعا سابقا، حيث إن هدف الحكومة الصينية هو الحفاظ على نمو في الناتج المحلي الإجمالي أعلى من 8 في المائة فقط، مع هذا التباطؤ في النمو الاقتصادي من المتوقع أن ينخفض النمو في الطلب على النفط فيها. إن مبيعات السيارات في الصين لا تزال قوية جدا في عام 2010، هذه المبيعات ستدعم استمرار النمو القوي في الطلب على البنزين في 2011 و2012. من المتوقع أيضا أن ينمو الطلب الصيني على الديزل، بعد الأداء الضعيف نسبيا في عام 2009، ذلك بسبب التباطؤ الاقتصادي الناجم عن الركود. الطلب على النفتا في الصين كان أيضا قويا للغاية، ويرجع السبب في ذلك جزئيا إلى بدء تشغيل مشاريع جديدة معتمدة على النفتا لإنتاج الإثيلين.
لكن أكبر تحول شهدته أسواق النفط العالمية في عام 2010، هو أنه بعد الانخفاض المستمر في الطلب على النفط منذ أواخر عام 2005، الطلب على النفط في دول منظمة التعاون والتنمية لم يعد ينخفض. بل في الواقع عاد للنمو من جديد، ولو مؤقتا، بقيادة الولايات المتحدة، مع ذلك، عام 2005 من المرجح أن يبقى يمثل عام الذروة بالنسبة لمجموع الطلب على النفط في دول منظمة التعاون والتنمية.
بقاء مستوى البطالة مرتفعا جدا يمنع انتعاش الطلب على البنزين في الولايات المتحدة، ويمنع أي انتعاش كبير في الطلب ذات الصلة بحركة المركبات. على المدى البعيد، تحسن كفاءة أسطول النقل والمركبات سيمنع أيضا نمو الطلب على النفط. مع ذلك، من المتوقع بعض النمو المتواضع في الطلب على البنزين في الولايات المتحدة خلال الأعوام القليلة المقبلة، لكن الطلب لن يصل مرة أخرى إلى الذروة التي كان عليها عام 2007.
أما أوروبا فهي في وضع اقتصادي ضعيف نسبيا مقارنة بأمريكا الشمالية، يعود السبب في ذلك أساسا إلى برامج التقشف المالي التي وضعت في أعقاب أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو، لذلك ليس من المستغرب أن الطلب على النفط فيها من المتوقع أن ينخفض أيضا عام 2010 للسنة الرابعة على التوالي. إن الانخفاض الهيكلي (الدائم) في الطلب على البنزين وزيت الوقود المتبقي يفسر معظم الانخفاض في الطلب على النفط. لكن، من المتوقع أن الطلب على وقود الديزل المستخدم في قطاع النقل أن ينمو من جديد، ومن المتوقع أيضا أن يتعزز قليلا نمو الطلب في عامي 2011 و2012، هذا على افتراض حدوث انتعاش في الاقتصاديات الأوروبية.
عودة نمو الطلب في حوض المحيط الأطلسي على وقود نواتج التقطير لا تعني بالضرورة عودة هوامش ربح عالية لهذه المنتجات, حيث لا يزال هناك طاقات إنتاجية كبيرة لنواتج التقطير غير مستخدمة في مصافي أمريكا الشمالية والمصافي الأوروبية التي يمكن استخدامها عندما يزداد الطلب. على سبيل المثال، في النصف الأول من عام 2008 أنتجت المصافي الأوروبية رقما قياسيا من وقود نواتج التقطير يقدر بنحو 5.7 مليون برميل يوميا مقارنة بمتوسط مستويات عام 2010 المتوقعة بنحو 5.2 مليون برميل يوميا. الشيء نفسه ينطبق على المصافي في الولايات المتحدة التي أنتجت نحو 4.5 مليون برميل يوميا من نواتج التقطير في الربعين الثاني والرابع من عام 2008، مقارنة بمستويات الإنتاج الأخيرة التي تقدر بـ 4.3 مليون برميل يوميا.
إن الطاقات الإنتاجية لنواتج التقطير في حوض المحيط الأطلسي كافية لتلبية الطلب المتزايد هناك في حالة تعافي الاقتصادات من الركود الاقتصادي تماما، لكن إنتاج كميات إضافية كبيرة من وقود نواتج التقطير يتطلب معدلات تجهيز من النفط الخام أعلى، كما سيتم إنتاج كميات إضافية من البنزين نتيجة لذلك. ونظرا لاستمرار الضعف المتوقع في الطلب على البنزين في أمريكا الشمالية وأوروبا، إضافة إلى الكميات الكبيرة من الإيثانول التي يتم إنتاجها في الولايات المتحدة، البرازيل وأوروبا، فإن إضافة كميات من البنزين جديدة سيؤدي إلى زيادة العرض في الأسواق التي هي في الأساس هشة. المصافي الأوروبية قادرة على تنويع صادرات البنزين وتوصيلها إلى أسواق أخرى خارج أمريكا الشمالية مثل منطقة الشرق الأوسط، لكن هذه المنافذ من المرجح أن تصبح مكتفية ذاتيا بشكل متزايد في المستقبل. مع الضغط المستمر لبيع أو إغلاق المصافي في حوض الأطلسي، فإنه من المتوقع أن تنخفض هوامش الأرباح في عامي 2011 و2012، ما يجبر على إغلاق أكثر للطاقات الإنتاجية الفائضة عن الحاجة.
تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة أن يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.