هل «أوبك» ظاهرة هلامية؟
يمر 50 عاماً على تأسيس ''أوبك'' في بغداد (سبتمبر 1960 بحضور العراق والسعودية وإيران وفنزويلا والكويت)، البذرة التأسيسية بدأت باتفاق بين عبد الله الطريقي وبيرز ألفنسو الوزير الفنزويلي، هذا الاتفاق جاء على أثر قرار الشركات الغربية المسيطرة على سوق النفط تخفيض الأسعار 10 في المائة في شباط (فبراير) 1959. اتفق المشاركون على ألا تتلاعب الشركات بالدول المنتجة من خلال زيادة أو تخفيض الإنتاج من هذه الدولة أو تلك. في الحال استطاعت ''أوبك'' إيقاف الانخفاض، لكنها لم تنجح في إعادة السعر السابق. إلا أن هذا النجاح المحدود كان كافياً بتغيير موازين القوى وبروز لاعب قوي وبداية فجر جديد في تاريخ اقتصاديات النفط، فارتبط اسم ''أوبك'' بصناعة النفط عالمياً.
بدأت صناعة النفط في الخليج بعد أن فاز الإنجليزي D'Arcy بحق امتياز في إيران عام 1901 وكاد يفلس قبل أن يكتشف النفط في مسجد سليمان في عام 1909 وتأسيس مصفاة عبدان في 1912؛ تلا ذلك امتداد الامتيازات إلى العراق وبقية دول المنطقة، المهم أن ''أوبك'' في العقد الأول من عمرها (مسلحة بمعرفة أن فنزويلا أول دولة تقاسم الشركات المنتجة في المبيعات في عام 1943)، كانت ناجحة، لكن النموذج الاقتصادي (cartel)، الذي يحاول فهم وشرح حركة الأسعار بسبب تأسيس ''أوبك''، يبقى ضعيفاً لأسباب موضوعية. موضوعياً يقوم هذا النموذج على القدرة الاستيعابية للإنتاج جماعياً ومعرفة الأقل تكلفة وبالتالي تحديد كمية المنتج طبقاً للسعر المناسب للمجموعة وبالتالي قبول الاختلاف المؤثر في حصة كل دولة إنتاج (اعتماداً على التكلفة والسعة)، وهذا غير مقبول، لأن هذه الدول تتصرف على أنها دول ذات سيادة وكذلك في الأساس تختلف في كل العناصر التي يمكن أن تجمعها (عدا الحاجة إلى سعر أعلى)، فهي تختلف في تكلفة الإنتاج والاحتياط والمستوى الفني والمرحلة الاقتصادية. ولذلك فإن الشرح المقبول عن هذه الحقبة حتى نهاية السبعينيات هو ما وصفه الدكتور علي الجهني في بحثه للدكتوراه بأن ''تغير الملكية الخاصة'' من الشركات إلى الدول المنتجة هو ما يشرح هذه الانتفاضة الجديدة. أزيد على ذلك حقيقة أن إنتاج أمريكا كأكبر مستهلك بلغ الذروة في عام 1971 ورافق ذلك توسع اقتصاد اليابان وأوروبا الغربية بعد إعادة البناء بعد الحرب. انتهت الشرارة الأولى بالوعي بالملاك ''الجدد'' والحفاظ على الأسعار ثم الارتفاع التدريجي حتى 1971. بقي السعر بين 2.5 و3.10 دولار للبرميل بين 1948 و1970 حتى مع تأسيس ''أوبك''.
بدأت الشرارة الثانية على أثر حظر النفط بقيادة الملك فيصل للضغط على الدول الغربية لثنيها عن دعم إسرائيل في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973، فبدأ السعر بالارتفاع، حيث كان بين 11.45 و12.70 في الفترة بين 1974 و1979 حين بدأت الثورة الإيرانية والحرب وما صاحبها من نقص في الإنتاج وخوف، إلى أن وصل في عام 1980 إلى 18.67 حتى وصل في ذروة التدمير إلى نحو 41 دولارا في عام 1981، تلا ذلك هبوط إلى أن وصل إلى ثمانية دولارات للبرميل في عام 1986، تلا ذلك فترة تجاذب بين قوى الطلب الناتج عن النمو الاقتصادي في الدول المستهلكة وعدم قدرة دول ''أوبك'' على التماسك في ظل محدودية نموذج (cartel)، حيث لدى كل عضو مصلحة مؤقتة في الغش بإنتاج أكثر من حصته، وهذا عيب هيكلي في هذا النموذج. إلى أن وصلنا إلى قفزة أخرى إثر غزو العراق وبداية شكوك حول قدرة الدول المصدرة على زيادة الإنتاج مصحوبة بتنامي الطلب خاصة من الصين والهند وكذلك ظاهرة النفط الورقي (سوق العقود المستقبلية وأثرها في ارتفاع النفط الــحاد بين 2006 و2007 حيــــــث وصل إلى 146 دولارا للبرميل).
تاريخياً سعر النفط ارتبط بهذه الأحداث الجسام المؤثرة ولكنها لا تستطيع أن تتحدى قوى الاقتصاد في المدى البعيد، وقد عبر عن ذلك حقيقة أن الأسعار راوحت بين 8 و146 دولارا في ظل سيطرة ''أوبك'' المزعومة في الـ 30 سنة الماضية على سوق النفط. الدور الوحيد المؤثر دائماً في التحكم كان عندما تلعب المملكة دور المنتج المرجح وكان مكلفا أحياناً. على مدى أكثر من 100 عام، وعلى الرغم من أن السعر الاسمي في تزايد، إلا أن السعر الحقيقي (بعد خصم التضخم) لم يتغير كثيراً مع أن التذبذب حاد بسبب تلك الشرارات التي ذكرناها. تسهم هذه الشرارات في ذر الرماد في عيون الكثير، فيبدو أن ''أوبك'' بعبع وأن قوى العرض والطلب والتقنية والتهديد بالبديل انتهت لكنها أقوى من ''أوبك'' كما أثبتت الأرقام.