رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


جرأة الأمل.. الرئيس أوباما أطلق حميدان!

السيد الرئيس أوباما.. أبدأ خطابي إليك بطلب يشاركني فيه الكثيرون من أبناء وطني وهو الإفراج عن الطالب السعودي المبتعث للدراسات العليا حميدان التركي بعفو رئاسي. قد يكون هذا الطلب جرأة أمل! وإن يكن كذلك فأنت الذي حفزتنا على أن نأمل ونطمح ونحلم ونتطلع إلى عالم أفضل، فكتابك ''جرأة الأمل'' يطرح رؤية جديدة ويقدم لقيم عالية وتوجه جديد في إدارة المجتمعات والارتقاء بالعمل السياسي. في كتابك ترسم للمجتمع الأمريكي وللمجتمعات الأخرى الأمل في الانتقال لمرحلة تاريخية تكون فيه السياسة لخدمة الإنسان وتحقق العدل والازدهار والسلام ليكون التنافس السياسي للتكامل وعمل الأفضل في إطار قيم النزاهة والصدق والالتزام والاحترام المتبادل وليس للصراعات وتسطيح آراء الآخرين والتقليل من شأنهم وتحقيق النجاح على حساب هزيمة الخصوم. هذه النظرة الجديدة التي تقدمها ـ سيادة الرئيس ـ جعلتنا نتجرأ ونطلب منك أن تطلق حميدان، فأنت أشعلت في نفوسنا جذوة الأمل لنرى النور في نهاية النفق مهما كان مظلما، وأن نسعى للوصول إليه مهما كانت التحديات والمعوقات.
السيد الرئيس أوباما.. لن يكون خطابي عاطفيا مؤججا بالمشاعر حول قضية أخي المواطن السعودي حميدان التركي مع أنني ومعي جموع كثيرة من المواطنين السعوديين نشعر بحزن عميق وأسى وإحباط وحرقة كبيرة نتيجة الحكم القاسي إن لم يكن غير العادل في قضية مدنية بحتة بدأت من لا شيء حتى ضخمت لتأخذ أكبر من حجمها، مع أنها تفتقد للحساسية الأمنية، فالقضية لا تمت لأمنكم القومي بصلة وليس لها علاقة بالإرهاب لا من قريب ولا من بعيد، وكان بالإمكان تسويتها بطريقة تضمن حقوق جميع الأطراف وفي ذات الوقت توجد وضعا يكون مربحا للجميع وأكثر عدلا لأن نتائج الحكم القاسي المبالغ فيه لم تظلم حميدان فقط، ولكن عائلته خاصة والديه وزوجته وبناته الصغار جميعهم خسروا ابنا بارا، وزوجا صالحا، وأبا رحيما، وأضيف خسر الوطن السعودي مواطنا صالحا كنا نتطلع أن ينهي دراسته ويعود للبلاد مع بقية زملائه للمساهمة في البناء والتنمية. لقد تم الحكم في قضية حميدان المدنية في مناخ عام في الولايات المتحدة يسوده الكراهية والغضب على العرب والمسلمين بسبب تداعيات أحداث 11 سبتمبر، والتي ليس لنا أي ذنب فيها ولا نتحمل مسؤوليتها، حتى وإن ثبت قطعيا أن الذين قاموا بهذا العمل الشنيع هم من مواطني المملكة العربية السعودية – وهو ما لم يتحقق- فإنه من غير العدل تعميم ذلك على جميع مواطنينا. لقد حشد اليمين المتطرف كل إمكاناته الإعلامية وروج لهذه الكراهية والصورة السلبية عن مجتمعنا المعتدل الذي يحترم العهود والمواثيق ويقدر الصداقة، محب للخير والسلام، ويدعو للفضيلة. لقد قام هؤلاء المتطرفون إلى دفع الأمور للهاوية وإدخال المجتمع الدولي في دوامة العنف والكراهية والصراعات.
1. نحن في المملكة العربية السعودية جميعا دون استثناء سواء كان ذلك على الصعيد الشعبي أو الرسمي أقولها بكل ثقة نمقت وندين بشدة أحداث 11 سبتمبر ونعتبرها فعلة نكراء وإجراما، بل إننا نبرأ منها ونعتقد ونكاد نجزم أن من قاموا بهذه العمليات الإرهابية هم ليسوا منا نحن السعوديين على وجه الخصوص أو المسلمين على وجه العموم، فتعاليم الإسلام العظيمة وقيمه الحضارية ضد الإرهاب وتخويف الآمنين، وهذه صفحات تاريخ أمتنا الطويلة ولقرون مضت وحتى وقتنا الحاضر تشهد بأننا أمة تحب السلام وتسعى إليه، فلم يذكر أن أشعلنا فتيل حروب عالمية، ولم نؤجج لفتن الصراعات بين الأمم، أو نغتصب خيرات مجتمعات أخرى، ولم نصنع أسلحة الدمار الشامل. كما أننا لا نمتلك التقنية الحربية ولا الأسلحة المدمرة ولا القدرة الاستخباراتية ولا المؤهلات البشرية ليقوم أبناء جلدتنا بهذه العملية عالية التقنية والتعقيد والدقة حسب شهادة خبراء محايدين من جميع أنحاء العالم، فكيف يستقيم لشباب تدربوا في صحراء أفغانستان وجبالها، بعضهم لم يكمل تعليمه الجامعي أن يقوموا بالتخطيط والتنفيذ ولأربع عمليات خطف لطائرات مدنية كبيرة الحجم داخل الولايات المتحدة بالتوقيت نفسه وبدقة متناهية وبتنسيق وترتيب محكم، وأن ينجحوا في جميعها، وأن يحققوا أهدافهم؟! إنه أمر محير ويصعب تصديقه! وهو يدعو بشدة لإعادة التفكير ليس لمعرفة الفاعل الحقيقي وحسب، ولكن المهم التعرف على الدافع وراء ذلك خاصة أن أحداث 11 سبتمبر أدت إلى أحداث رهيبة ومرعبة لمجتمعات تبعد آلاف الأميال عن الولايات المتحدة دون أن يكون هناك ما يهدد الأمن القومي لأمريكا. فقد ثبت أن العراق لا يملك أسلحة الدمار الشامل، الحجة الواهية التي تم على أثرها احتلاله وقتل وتدمير وتهجير مدنيين آمنين في بلادهم، أما أفغانستان فقد كانت حكومة طالبان تديرها والتي ربما لا نتفق مع الكثير من أطروحاتها ولكنه يظل شأنا أفغانيا داخليا، وأثبتت الأحداث والتاريخ من قبل ذلك أنه لا يمكن فرض نظام أو نهج سياسي على المجتمعات. أسرد هذه الوقائع وما حدث والنتائج الوخيمة التي أحدثتها سياسة سلفكم الرئيس بوش الصغير والشرخ الثقافي بين العالم الإسلامي والعالم الغربي وما خلقه من مناخ عدائي في أمريكا ورأي عام مشحون بالكراهية ضد الإسلام والمسلمين والعرب والسعوديين على وجه الخصوص. في ظل هذه الأجواء غير المتزنة وغير الاعتيادية تم تصعيد قضية حميدان ليكون قربانا يتشفى به أولئك الذين يسيطر عليهم فكر التفرقة العنصرية البغيضة. وحتى على افتراض الحيادية والموضوعية، فلربما لاختلاف العادات والتقاليد عن المجتمع الأمريكي أسيئ فهم بعض تصرفاته وفهمت خارج سياقها الثقافي، وهذا أمر يحدث كثيرا، فأدبيات الشركات متعددة الجنسيات تؤكد ذلك، بل حتى الجيش الأمريكي يرشد أفراده العاملين في أماكن مختلفة من العالم أن يحسبوا لهذا الاختلاف الثقافي. لقد كان حميدان ضحية هذه العوامل مجتمعة، عامل الكراهية المختلق الذي سيطر على البعض في الولايات المتحدة، وعامل جهل الفوارق الثقافية بين المجتمعات. هذا إضافة إلى ما أشار إليه ثيدرو لوي في كتابه نهاية الليبرالية (الحرية الفردية) 1979Theodore Lowi, The end of liberalism .، وهو أن البيروقراطية أصبحت تلعب دورا كبيرا في صناعة السياسات العامة على حساب السلطة التشريعية وهو ما يمثل حسب رأيه التحول من الجمهورية الأولى (الديموقراطية) إلى الجمهورية الأمريكية الثانية. وهذا يعني أن البيروقراطيات أصبحت تصول وتجول دون حسيب ورقيب، هذا التمركز للسلطة في الجهات التنفيذية مدعاة للفساد والتمادي في استخدامه القوة، فماذا عساه أن يقول في عهد أصبح في أمريكا وزارة للداخلية!
السيد الرئيس، نحن على ثقة بقراءتكم الصحيحة لأوضاع العالم فأنتم من ناديتم بالتغيير لأن ثماني سنوات من حكم سلفكم الرئيس بوش الصغير وسياساته الرعناء كانت أكثر من كافية لتأجيج الصراعات بين الأمم وزرع الكراهية والأحقاد والتباعد الثقافي وإشعال الحروب هنا وهناك وظهور التطرف في كل ركن من العالم ليكون هو سيد الموقف ولتحييد الغالبية المعتدلة، ليس ذاك وحسب وإنما أنهى عهده بأزمة مالية عالمية مدمرة بذات الشدة التي شنتها الآلة العسكرية على العراق وأفغانستان. وآراؤكم ورؤيتكم ونهجكم في التغيير هو ما جعل الشعب الأمريكي ينتخبكم لأن شعبا عظيما مثل شعب الولايات المتحدة تربى على إحقاق الحق والعدل والمساواة في الحقوق. انتخابكم حدث عظيم ليس للولايات المتحدة وحسب ولكن للعالم أجمع؛ فقد استبشرت له جميع شعوب العالم خاصة النامية بتوليكم زمام الأمور ورؤيتكم الإصلاحية التوافقية، والبحث عن أوضاع جديدة لعالم يسوده السلام والمحبة والازدهار.
إنكم يا سيادة الرئيس تكتبون فصلا جديدا في التاريخ العالمي يزيل الألم ويحوله إلى آمال. أعلم جيدا أن نظامكم يضمن سيادة القانون ويضمن العدل، وأنا على يقين أن العدالة ستسود مهما طال الزمن. أقول هذا من واقع تجربتي فقد قضيت ما يقارب 13 عاما في بلادكم درست من بعد الثانوية حتى حصولي على درجة الدكتوراه وأنا مدين بالفضل بعد الله للكثيرين من الأساتذة والزملاء والأصدقاء والجيران الأمريكيين الذين أكن لهم الاحترام والتقدير. كنت أتمنى لو أن تجربة حميدان ماثلت تجربتي الإيجابية، ولكن يبدو أن قدره أن يكون في ظروف سعى البعض إلى تقويض العلاقة المتميزة والعميقة بين السعودية والولايات المتحدة والتي منذ أزل بعيد نمت وتطورت عبر السنين لتتوثق العلاقة بين الحكومتين والشعبين. وأملنا أن تقوموا ـ سيادة الرئيس ـ بإعادة المياه إلى مجاريها لتعود العلاقة لسابق عهدها قوية ومتينة، مبنية على الاحترام المتبادل والثقة. وسيكون عفوكم الرئاسي عن حميدان التركي مبادرة خير ومحبة وبداية صفحة جديدة لعلاقة بين بلدين عظيمين لا غنى لأحدهما عن الآخر. إنها جرأة الأمل يا سيادة الرئيس نرجو أن تتحقق!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي