كيف ستكون صورة المدن السياحية بعد انتهاء العطلة الصيفية؟

كما نعلم الطقس في معظم مناطق المملكة يغلب عليه طابع الصحراء، الذي يكون الجو الدافئ الذي يميل إلى الحرارة الشديدة، هو الصورة السائدة خلال فترة الصيف, خصوصا في الإجازة الصيفية التي يقضي فيها الكثير من المواطنين إجازاتهم من خلال السفر سواء داخل المملكة أو خارجها، ويغلب على المدن التي يقصدونها أن تكون مائلة إلى البرودة في الطقس أو على الأقل الاعتدال، مع البحث عن مدن تتكامل فيها الخدمات السياحية من توافر المساكن المناسبة في السعر والجودة، ووجود أماكن للترفيه، ووجود أماكن أيضا للاستراحة والاستجمام، إضافة إلى أماكن يقصدها الناس للزيارة، مثل الأماكن الأثرية والمتاحف.
والحقيقة أنه مع وجود إمكانية توافر هذه العوامل في المملكة إلا أن المدن التي يمكن أن نطلق عليها تجاوزا سياحية على مستوى المملكة لا تتوافر فيها بعض الخدمات الأساسية لجذب الزائر لقضاء فترة راحة وترفيه في هذه الإجازة شديدة الحرارة في معظم المناطق خلال الصيف، مع العلم أن الطابع العام المحافظ للمملكة من الممكن الاستفادة منه ليكون عامل جذب للأسر في المملكة وفي الخليج وكثير من الأسر في الدول العربية والإسلامية.
ويبقى لنا أن نتساءل: كيف ستكون الصورة العامة للمدن السياحية بعد انقضاء فترة الإجازة الصيفية، خصوصا أن هذه الفترة شهدت حركة سياحية واقتصادية وفرص عمل ونشاطا عاما في مدن كثيرة في المملكة مثل: مكة, المدينة المنورة, الرياض, جدة, الطائف, أبها, الباحة, المنطقة الشرقية, ومدن أخرى يمكن أن تكون فعلا مقصدا سياحيا لا تقل بحال عن المدن السابقة؟
بعض المدن مثل مكة والمدينة والرياض وجدة لا يختلف الحال فيها كثيرا لقدسية مكة والمدينة واقبال الزائرين عليهما خلال العام، أما الرياض وجدة فيقصدهما الناس لأغراض متعددة لا تنتهي في فترة الصيف أو خلال فترات الدراسة مع التفاوت في ذلك بين فترة وأخرى.
والحقيقة أنه بما هو موجود حاليا في مدن مثل أبها والباحة وغيرهما، فإن المتوقع أنه سيكون هناك ركود عام في النشاط الاقتصادي, خصوصا فيما يتعلق بالسكن, حيث تتغير الأسعار بشكل جذري، وتقل حركة البيع والشراء، ويقل النشاط إلى فترة تصل إلى تسعة أشهر، ويقل بشكل كبير إشغال هذه المساكن مع وجود إمكانية الاستفادة منها, خصوصا مع وجود قوى عاملة مهيأة للعمل خلال الفترة كاملة، التي لا تتم الاستفادة منها بالشكل المناسب فترة طويلة. إذ إن المستثمر الذي يتمكن من تشغيل 50 في المائة من استثماره يعتبر حقق نجاحا كبيرا، وتبقى هذه الاستثمارات غير مستفاد منها بالشكل الكامل، ما يجعل الكثير من المستثمرين ـــ مع الأسف ـــ يبرر مسألة مبالغته في الأسعار.
كل ذلك يستدعي التفكير في كيفية الاستفادة من هذه المدن وغيرها خلال العام بدلا من الاستفادة منها خلال فترة قصيرة، والحقيقة أنه بالنظر إلى تجارب عدد من الدول في العالم تجد أنها تلجأ أحيانا إلى تنشيط مثل هذه المدن خلال فترات مختلفة من العام، فتجد أن المناطق السياحية تستغل في إقامة بعض الملتقيات العلمية والدولية، فتجد أن دولة مثل الولايات المتحدة لا تقيم جميع الملتقيات حتى الكبرى منها في واشنطن أو نيويورك، وتجد أن دولة مثل بريطانيا تقيم ملتقيات مهمة في اسكتلندا بعيدا عن العاصمة لندن، وهكذا في دول كثيرة في العالم.
وهذا من شأنه تخفيف الضغط على المدن الكبرى المتخمة بالزحام والسكان, فمن الممكن أن تقام بعض المؤتمرات والملتقيات العلمية في مدن مثل: الباحة, الطائف, أبها, ومدن المنطقة الشرقية أو حتى في حائل ومنطقة القصيم وسدير وغيرها من المدن بحسب توافر البنية التحتية والخدمات بشكل عام.
ولماذا لا تقام بعض الدورات, خصوصا للموظفين, في مثل هذه المدن سواء الدورات التدريبية التي يقيمها معهد الإدارة العامة أو غيره من المعاهد والجامعات، وأتذكر في هذا السياق ورشة عمل أقيمت في الجبيل لمجموعة من مديري الجامعات في المملكة، وكان الترتيب لها ناجحا بكل المقاييس رغم أنه لا توجد في الجبيل جامعة.
ومن الممكن أيضا إقامة أنشطة للمؤسسات الإعلامية في هذه المدن بدلا من التركيز على مدن مثل الرياض وجدة، كما يمكن إقامة المعارض المحلية والدولية التي يقصدها الزائرون فيها، إضافة إلى بعض الأنشطة الرياضية والأنشطة الترفيهية بشكل عام مثل إنشاء مدن ترفيهية، وغيرها. خصوصا أن هذه المدن سيتم استغلالها بالشكل الأمثل خلال فترة طويلة من العام، وسيستمتع الزائر فيها بما يتوافر بها من عوامل جذب سياحية, إضافة إلى توافر السكن المناسب، وسهولة الحركة والتنقل، وقد يكون من آثاره أن يكون ذلك عامل جذب لاستثمارات أكبر وأفضل مما هو موجود حاليا، وستنشط معه الحركة الاقتصادية وتوافر فرص العمل للمواطنين، ومن الممكن أن تكلفة إقامة المناشط سواء ماديا أو في الجهد ستكون أقل مقارنة بالمدن الكبرى.
مع العلم أنه قبل العمل على ذلك لا بد أن يكون هناك عمل دؤوب لتكون مدنا متعددة في المملكة نموذجية فعلا في السياحة بالاهتمام بالبنية التحتية والخدمات والنقل بمختلف أشكاله, خصوصا الطيران، وكل ما من شأنه أن يكون عامل جذب للسائح والزائر.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي