رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


شركة الغاز .. تمخض الجبل فولد فأرا!

في ليلة الجمعة ليس مستغربا أن تتلقى اتصالا من صديق أو من جار يطلب منك أسطوانة الغاز الخاصة بك. وكلي ثقة بأن الكثير منا قد تعرض لهذا الموقف سواء كان طالبا أو مطلوبا، والسبب بسيط، فشركة الغاز الموقرة لا تقدم خدماتها في يومي الخميس والجمعة، وعلى الذين يعيشون في المملكة مراعاة فارق التوقيت لمدة يومين، وإذا كنت سيئ الحظ أكثر من ذلك فإنك قد تنسى استبدال الأسطوانة قبل دخول أول أيام رمضان المبارك والذي ـــ لسوء حظك أيضا ـــ قد يوافق ليلة خميس. إذا كنت قد تعرضت لكل ذلك فلا تعتقد أنه حظك السيئ أنت وحدك، بل إن هناك الآلاف من سيئي الحظ على طول المملكة وعرضها، ذلك أننا جميعا نخضع لأحكام شركة الغاز الأهلية. وإذا تمكنت من حماية نفسك من أذى توقيت الشركة وإجازاتها وذلك بجمع عدة ألوان من أسطوانات الغاز فإنك قد لا تسلم من أذى محترفي سرقة تلك الأسطوانات (ولذا أصبح جزءا من مخطط أي منزل جديد أن يضع مساحة كافية ''لمجموعته المميزة من الأسطوانات'' ويحكم الإغلاق عليها بأسلاك شائكة، ولعلك تسلم).
وإذا كنت من أولئك المحظوظين جدا والقادرين على الحصول على تلك الأسطوانة الضخمة جدا المسماة ''خزان الغاز'' وبعيدا عن المخاطر الجسمية جدا والاشتراطات التي تصاحبها، والتي بالتأكيد لن تناسب أصحاب الشقق المرتفعة وهم أكثر الفئات المحتاجة إلى بديل عن الأسطوانات العادية، فإن المعاناة مع شركة الغاز لا تنتهي بمجرد تركيب ذلك الخزان الضخم، فهناك مواعيد لا حصر لها لكي تحصل على خدمة التعبئة وإعادة التعبئة. هي طريقة تذكرني بالخدمات البلدية أو خدمات الهاتف السعودي قبل نحو عقدين من الزمان. يجب عليك إدخال بيانات الاتصال عن طريق الإنترنت (وهذا تقدم!) ثم عليك الانتظار أياما قبل أن يتكرم موظفو الشركة بالاتصال عليك لتحديد موعد باليوم ودون تفاصيل أكثر، ثم عليك الانتظار لمدة لا تقل عن شهر حتى يأتيك اتصال قبل شروق الشمس من رقم مجهول على هاتفك المحمول، فإذا كنت سيئ الحظ ولم ترد فإنك ستخسر الخدمة العظيمة، وعليك أن تعاود إدخال بياناتك والانتظار في الدور مرة أخرى، وإذا كنت نبيها وانتبهت وقمت بالرد فإن عليك إلغاء مواعيدك لذلك اليوم بانتظار قدوم الغاز الميمون. هذا هو أفضل ما حققته الشركة من تقدم وخدمات. وبرغم أن التجربة أثبتت خطورة هذه الخزانات وصعوبة الحصول على مواعيد من الشركة وطول فترات الانتظار وطريقة تعامل موظفي الشركة مع المواطنين (العملاء) إلا أنها على الأقل خففت من مشاكل سرقة الأسطوانات (وهذا تقدم أيضا)، ثم بعد عدة عقود من احتكار توزيع الغاز وبرغم زحمة التسابق العالمي على هذه المادة وخدماتها، تفاجئنا الشركة بالأسطوانات الجديدة التي تعلن عنها بطريقة ''لاعبي كرة القدم'' (جالك ولد) أو كما يقول الدكتور غازي القصيبي ـــ يرحمه الله ـــ ''يا للعظيم وما اقتنى''. فهذا المشروع أقل بكثير من طموحات الناس وأقل بكثير جدا مما تستطيع شركة محتكرة أن تقدمه للمجتمع والدولة التي منحتها كل هذه الامتيازات فكأنما هي جبل وأنجب فأرا. وأنا أسأل ما الخدمة الجديدة التي أضافتها هذه الأسطوانة، ما القيمة المضافة للمجتمع، ما الذي تغير؟ هل استراح ساكن شقة في الدور الثالث من عناء الأسطوانة والبحث عن مكان مناسب لها في شقته الصغيرة؟ هل ستمنع هذه الأسطوانات من تفشي ظاهرة السرقة؟ هل سأتخلص أخيرا من ركن الأسطوانات في المنزل؟ ومن هواية جمعها ومن نسيان موعد استبدالها والبحث عن محل للاستبدال ولو كان في يوم الخميس أو الجمعة؟.. ثم ماذا سنفعل بكل المجموعات التي في حوزتنا من الأسطوانات المعدنية كيف سنتخلص منها؟ ولماذا هذا السعر للأسطوانة الجديدة وهي في الحقيقة للشركة فلا معنى لتلك الأسطوانة دون غاز الشركة والأسطوانة سواء جديدة أو قديمة أو ملونة ستسلم مجانا إلى الشركة بعد فراغ الغاز منها. فهل هذه هي الاستجابة المناسبة لمطالبات الناس بتطوير هذا القطاع؟
العالم يتنافس في تقديم خدمات متطورة في مجال الغاز؛ حتى بدأت هذه المادة تزاحم المشتقات النفطية وتوجهت عدة شركات عالمية لتطوير سيارات تعمل بالغاز، وأصبح الغاز من أهم الاحتياطيات العالمية وتتسابق دول العالم على تطوير قدراتها من هذا المنتج المهم بتوسيع الإنفاق في مجال البحث والتطوير واكتشاف آبار جديدة. وبينما العالم ينقل الغاز من شرق الأرض إلى غربها ومن منزل إلى منزل باستخدام أنابيب متطورة لمواجهة الاستخدامات المتزايدة في المجالات الصناعية ومجالات التدفئة بأنواعها تحتفل شركة الغاز لدينا بأسطوانات لا تسمن ولا تغني من جوع الاحتياجات المتزايدة لهذه المادة العصرية المهمة جدا، والتي لم نزل متأخرين جدا في استخدامها، وبشكل لا يليق حضاريا بالمملكة ومكانتها العالمية والإسلامية على وجه الخصوص، ولم يزل الدفاع المدني يحذرنا مما حذر منه أجدادنا من قبل، فلم تقدم شركة الغاز ما يشفع لتطوير طرق التدفئة في أيام البرد القارصة. وبدلا من أن تساعد شركة الغاز في تطوير طرق استخدام الغاز في مواسم الحج والعمرة وتقدم حلولا وبدائل، نراها تتوارى جانبا وتحمّل هذه المسؤولية للدفاع المدني الذي اضطر إلى ابتكار مخيمات خاصة لمنع خطر الحرائق التي يتسبب فيها الغاز عادة، وتكبدت الدولة الملايين في هذا المشروع، بينما لم تزل الأسطوانات تصاحب مواكب الحجيج وتنتقل معهم من مشعر إلى آخر تحمل المخاطر معها أينما حلت وارتحلت، ولو أن شركة الغاز بذلت جهدا بسيطا في تطوير عملية التوزيع بأنابيب مؤمَّنة بشكل جيد وموزَّعة بشكل مدروس بعيدا عن تلك الأسطوانات لتغير الحال كثيرا.
القضية قضية منافسة أولا وأخيرا. لقد حققت المملكة خطوات واسعة جدا في مجال الخصخصة، لكن الخصخصة في حد ذاتها لا تكفي إذا لم يصاحبها إجراءات حقيقية لتوسيع مجال المنافسة وفتح السوق لشركات (وطنية أو مختلطة) أخرى. المنافسة هي الضمان الوحيد لتقديم خدمات أفضل للمواطنين، حيث البقاء للأفضل، للقادر على تلبية احتياجات الناس وتطوير قدرات الوطن وتعزيز الإنتاج وتحقيق الرفاهية؛ لتقديم خدمات أكثر تطورا في مجال توزيع الغاز؛ وحتى تحقق هذه السوق ما حققته سوق الاتصالات من تقدم وسرعة في الإنجاز ومستوى خدمات متطور وتنافسي أرى ضرورة فتح سوق توزيع الغاز أمام شركات وطنية جديدة (شركات مساهمة مدرجة) ومنع احتكار هذه الخدمة على شركة واحدة فقط.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي