رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الحِراك الثقافي في الإعلام خلال رمضان وزيادة الوعي في المجتمع

المتابع لواقع حياة الناس في رمضان يجد الكثير من المتغيرات لجوانب متعددة من حياتهم، فمن اليوم الأول لهذا الشهر الكريم تجد أن واقع الناس يتحول في كثير من الأمور، خصوصا أن شهر رمضان في هذه الفترة يأتي في إجازة الصيف لطلبة المدارس والجامعات والمعلمين، بل إن كثيرا من الناس يفضل الإجازة خلال هذه الفترة من العام، ما يتيح المجال واسعا لوجود هذه المتغيرات.
ولعل من أبرز المتغيرات إقبال الناس من مختلف بقاع العالم العربي على مشاهدة البرامج التلفزيونية بمختلف أشكالها وتجد أن نمط عمل المؤسسات الإعلامية يختلف تماما خلال هذه الفترة، ما يدل على الإقبال الكبير على مشاهدة هذه البرامج غثها وسمينها.
ومن الملاحظ الإقبال الكبير على البرامج الثقافية والعلمية، ومن خلال المتابعة تجد أن هذه البرامج تحظى بجمهور عريض في المجتمع، ولعل من أبرز هذه البرامج برنامج فضيلة الشيخ الدكتور سلمان العودة حجر الزاوية وبرامج أخرى مقاربة في مختلف القنوات التلفزيونية.
ولعل برنامج حجر الزاوية كان من أبرز هذه البرامج، ومن الأسباب في نظري طريقة العرض الذي قُدم به هذا البرنامج، حيث إنه تميز بعدة أمور جعلت منه برنامجا متميزا ويحظى بمشاهدة الكثير من الناس على مستوى العالم العربي، أو بالأحرى الناطقين بالعربية في مختلف أنحاء العالم، ومن تلك الأسباب أنه يعرض في قناة هي الأوسع انتشارا على المستوى العربي، وشخصية الضيف الدكتور سلمان العودة, الذي يتميز بسعة الاطلاع وترتيب الأفكار والتواصل مع المجتمع، والنظرة المتفائلة الواقعية للمجتمع الإسلامي، والانفتاح على العالم، ويظهر أنه جعل الخبز لخبازه ـــــ أي الإعلاميين - فيما يتعلق بالإعداد للبرنامج.
والجانب الأبرز للبرنامج أنه أصبح أكثر انفتاحا على المجتمع وقضاياه، فتجد أنه لم يأخذ الطابع الوعظي البحت, بل أتاح المشاركة من قبل أفراد المجتمع من خلال المشاركة المباشرة بالاتصال، وهؤلاء المتصلون ليسوا دائما ممن يتقدمون بطلب فتيا أو استشارة، بل يقدم الكثير منهم رؤى شخصية في قضايا مختلفة بحسب موضوع البرنامج، فهو منبر مفتوح للمشاركة، كما أنه أيضا من خلال التقارير التي تعد يعطي البرنامج صورة واقعية لكثير من القضايا الإيجابية أو السلبية أو الظواهر الموجودة في المجتمع، كما أن تواصل البرنامج مع الإعلام من خلال استقراء ما يرد فيه من إيجابيات وسلبيات عن البرنامج جعله يحظى باهتمام مقالات كثيرة في الصحف، وحظي البرنامج بإشادة عدد من الكتاب والمثقفين في مشهد يظهر فيه البرنامج وكأنه جسر يصل بين تيارات مختلفة ــ وفي تصوري أن هذا دور مهم ينبغي أن يكون سمة للعالم والمفكر.
والحاصل أن المجتمعات العربية ليست بذلك السوء الذي يعتقده بعض المثقفين والكتاب، فالواقع أن هناك إقبالا على الثقافة والمعرفة، لكن المشكلة في الأوعية التي تقدم فيها هذه الثقافة، ففي الوقت الذي نجد فيه أن بعض المثقفين يريدون ترجمة النموذج الغربي وتطبيقة على الواقع العربي والإسلامي بحذافيره، نجد هناك مجموعة أخرى تقدم فكرتها بالوعاء نفسه الذي كانت تقدمه من سنين دون النظر إلى المتغيرات الاجتماعية والثقافية، ودون النظر إلى أهمية المشاركة من قبل المجتمع، وطرح التجارب الخاصة والإيجابية.
ولعل من أبرز ما في هذا الشهر الكريم قرار خادم الحرمين الشريفين فيما يتعلق بالإفتاء، حيث صدر في وقت مبكر من هذا الشهر الكريم ليحد من العبث الحاصل في هذه المسألة، خصوصا أنه كما سبق فإن المجتمع اليوم يتابع بشكل كبير البرامج التلفزيونية، وكل قناة تتسابق على عرض المفتين لجذب مجموعة من المشاهدين دون النظر في مؤهلات هؤلاء المفتين وإمكاناتهم العلمية.
بل إن الكثير من الأسئلة أصبحت تتكرر بشكل ممل وتجد أن أجوبتها تجدها بيسر في الفتاوى المدونة للأئمة والعلماء البارزين، وما هو مستثنى من ذلك قليل جدا، لا يكلف صاحبه إلا الاتصال على أحد العلماء من هيئة كبار العلماء أو دار الإفتاء ليجد الجواب المناسب الذي يدين الله به، خصوصا أن الكثير من هذه البرامج تقدم للناس على الهواء مباشرة، دون مراعاة حاجة العالم إلى الاستفسار أكثر عن الواقعة والبحث والتأكد من الجواب، من خلال قراءة متأنية في كتب أهل العلم.
الخلاصة أن شهر رمضان في كل عام يشهد حراكا ثقافيا، لكن هل هذا الحراك يستثمر ويتطور؟ هذا ما ينبغي العمل عليه للارتقاء بالمجتمع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي