ما سبب غياب القيادات التنموية؟

يعاني كثير من القطاعات والخدمات الحكومية ضعفا في الأداء يتضح ذلك في الصورة العامة للمرور والانضباط في سوق العمل والشكوى المزمنة في التعليم وغيرها من نواحي الحياة. يبدو أن هناك علاقة عكسية بين ما تبذله القيادة من توجيه أو استعداد لصرف المال وبين غياب القيادات التنموية في الجهاز الحكومي. لعل هذه حالة فريدة لم يسبق لها أمثلة كثيرة. بل إن ماضينا التنموي لم يكن دائماً على هذه الحال من الرخاوة. هناك أسباب كثيرة لهذا الغياب اللافت. جذور هذا الغياب تمتد إلى محركات وتحركات المجتمع - مما يجعل المسببات تراكمية بطبيعتها ومعقدة في تفاصيلها - المحصلة أن الكوادر التي تصلح لأن تكون قدوة ونبراسا بدأت تتضاءل عدداً وتصغر قيمة تدريجياً. لا نطمح إلى حل هذا اللغز، ناهيك عن اقتراح الحلول. كخطوة أولى سنستعرض بعض الظروف الموضوعية لهذا الغياب.
البعض يذكر أن السبب يعود إلى أن الكوادر المتعلمة الأولى كانت أكثر جدية ورغبة في التعليم وليس التخفي وراء الشهادات، ولعل ذلك يعود إلى إحدى حالات الانتخاب الطبيعي - القوة الذاتية للتميز. وما انتشر التعليم العام غير المقنن حتى اختلط الحابل بالنابل وأصبحت الشهادة غاية لما تحققه من ثمرات وظيفية حكومية في الغالب ليست ذات مسألة محكمة. تدريجيا تشرب النظام الإداري بكوادر ضعيفة أفرزت قيادات بيروقراطية على شاكلتها.
ظرف موضوعي آخر وأعم ينطلق من حقيقة أن الاقتصاد الريعي يعمل في الأساس على فك الارتباط بين العمل والمكافأة وبالتالي يمتلئ هذا الحيز بنماذج أخرى للعلاقة بين البشر مؤسساتيا وعملياً فتصبح العلاقات الشخصية وكل ما تحمله النزوة الإنسانية ميدان المنافسة غير الشريفة بما لا يخدم التنمية وبالتالي هي الأخرى تفرز قيادات بيروقراطية همها الأول المراهنة على المصالح الشخصية والتمركز وبناء شبكة من التعاون للحد من المنافسة الشريفة في كل نواحي الحياة.
وبعض آخر يذكر أن الإشكالية الأساسية ما هي إلا تعبير عن فقدان الرؤية التنموية الشاملة. فالعملية التنموية الشاملة إذا كانت جادة تجبر الجميع على الانخراط في أنماط من العلاقات التعاونية التي يرى الغالبية من الناس مدى ارتباط المصلحة الفردية مع المصلحة الجمعية وبين التعليم والإنتاجية. هذه العلاقات كافية لغرز الكفء ومكافأته وإعطاء المقصر حقه وحجمه.
أياً كان الظرف الموضوعي أو الإطار الفكري، الواضح أن المشروع التنموي في حاله تعثر. يبقى للقارئ الأخذ بهذا أو ذلك أو التفكير خارج الصندوق للوصول إلى تأطير مختلف أو أفضل ثم البحث عن حلول. يصعب تغيير توجهات التنمية دون ملامسة المصالح وأنماط العلاقات المصلحية التي تؤثر في نوعية القدوة الجديدة. هذا التغيير كفيل بإيجاد قيادات جديدة تستند إلى خدمة عامة أفضل وليس إلى مصالح شخصية ضيقة.
أحد الحلول أن نبحث في مزيد من استخدام بعض الأدوات الإدارية العامة المتاحة لدى الجهاز الحكومي لتغيير أنماط العلاقة الاقتصادية بين فئات المجتمع المختلفة. سنناقش إحدى هذه الأدوات من خلال مناقشة إشكالية ارتفاع أسعار الأراضي السكنية في المملكة في مقالة قادمة في محاولة لفك هذه الأنماط غير المتوازنة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي