نظام المناطق من التفعيل إلى التطوير
يمثل إنشاء مجالس المناطق توجها حميدا للدولة نحو التخفيف من المركزية, كما أنها علامة بارزة في المسيرة التنموية والإصلاح الإداري ونقطة انطلاق العمل المحلي المؤسسي. نظام مجالس المناطق اعتراف بأهمية الإدارة المحلية وإدراك لتفاوت البيئات المحلية ثقافيا واقتصاديا وجغرافيا وسكانيا, وما يتبع ذلك من ضرورة التفاوت في أسلوب إدارتها بما يتناسب مع تلك المتغيرات, هذا على المستوى النظري, أما في جانب الممارسة فإن الصلاحيات الإدارية والمالية لهذه المجالس ضعيفة لتتحرك في دائرة ضيقة لا تمكنها من تحقيق الهدف الأساس الذي أنشئت من أجله وهو رعاية مصالح سكان المنطقة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, فما زالت سلطاتها استشارية لا تتعدى التوصية والاقتراح دون سلطات نافذة على الأجهزة المحلية, ففروع الوزارات في المناطق تتلقى تعليماتها من الأجهزة المركزية وليس من المجالس, ما يحجم دورها ويجعلها عاجزة عن القيام بمهامها التنموية التي تحقق تطلعات ورغبات واحتياجات سكان المنطقة. قرارات تحديد الخدمات والسياسات والإجراءات في كل منطقة يتم معظمها مركزيا بعيدا عن المنطقة. هذه القرارات المركزية تبنى على فرضية خاطئة مفادها أن المناطق متشابهة في بيئتها, وبالتالي تتطلب خدمات وحلولا متماثلة! هذا الافتراض يلغى عامل التميز بين المناطق, العامل الأهم في التنمية الاجتماعية والتكامل الاقتصادي ويفوت الفرصة نحو تنمية محلية تسهم إسهاما فاعلا في التنمية الوطنية.
إن لكل منطقة ميزة تفضيلية وتنافسية وإذا لم يتم إدراك ذلك نكون قد قتلنا روح الإبداع والمنافسة لدى كل منطقة في أن تتميز وتتخصص فيما لا تستطيعه المناطق الأخرى. العمل المحلي أكثر تعقيدا وتشابكا وسرعة ولا يمكن التعامل معه عبر قطاعات مجزأة كما يتم على المستوى الوطني. القضايا والمشكلات المحلية تحتاج إلى نظرة شمولية وحلول متكاملة, وهذا ما لا توفره القرارات الحكومية المركزية للقطاعات المختلفة. وهكذا نجد أن هناك الكثير من المشاريع التي أقيمت في المناطق وكلفت الكثير إلا أنها لا تمثل أولوية لمجلس المنطقة, وربما لو عاد الأمر للمجلس لأنفقها على مشاريع هي أكثر استجابة لاحتياجات المواطنين. هذه المركزية الشديدة في عملية صنع القرار تحول دون ممارسة المجلس دوره كصانع للتنمية المحلية وتطويرها ليتحول إلى معقب ومتابع للخدمات همه جلب المشاريع وزيادة الإنفاق الحكومي المركزي في المنطقة بغض النظر عن مدى ارتباطها بالتنمية المحلية. معظم المناطق لا تملك رؤية استراتيجية للتنمية المحلية, حتى إن كانت هناك استراتيجية فلا تعدو كونها أمنيات بعيدة التحقيق لا تمت إلى الواقع الإداري بصلة, فالأجهزة المركزية البيروقراطية هي المتحكمة فعليا في التنمية المحلية, بينما منحت المناطق فقط حق المطالبة والمتابعة دون أدنى التزام من السلطات المركزية باستيعاب توجهات وأولويات المناطق, وكأن لسان حالها يقول: قولوا ما تشاءون ونفعل ما نشاء!
قد يكون هذا الوضع مقبولا أو محتملا فيما مضى, لكن ليس الآن في ظل المتغيرات المتسارعة, التي من أهمها تزايد نسبة التحضر وزيادة عدد السكان وتغير أنماط الاستهلاك وزيادة الوعي في المحليات وارتفاع مستوى الثقافة ووجود القدرات والإمكانات المحلية. من الصعب تقبل أن تقف مجالس المناطق مكتوفة الأيدي تجاه القضايا المحلية ولا تستطيع أن تمارس أدوارا تنموية فاعلة. إن المسؤولين في المناطق في وضع حرج, فهم مطالبون بتطوير مناطقهم وتحمل كامل المسؤولية, لكن دون أن يملكوا السلطات الكافية لأداء ما عليهم من واجبات. ''بالإمكان أكثر مما كان'' شعار ترفعه مجالس المناطق, لو منحت الفرصة في تطوير مناطقها فهي الأدرى والأقرب والأكثر حرصا من الأجهزة المركزية. هذا يؤكد أن تترك القضايا التي تخص المنطقة لمجلس المنطقة لأن تأثير هذه القضايا يقع ضمن حدودها الإدارية دون غيرها من المناطق الأخرى. نظامنا الإداري العام, وعلى الرغم من وجود هذه المجالس المحلية, إلا أنه لا يزال, وبسبب المركزية الشديدة, لا يميز بين القضايا الوطنية التي تكون من اختصاص الأجهزة المركزية وتلك التي يجب أن تترك للمناطق والمحافظات، والنتيجة قرارات بيروقراطية بطيئة لا تستجيب للمتطلبات الحقيقية لسكان المناطق. الحديث هنا ليس عن أوضاع مثالية تخصص فيها على سبيل المثال ميزانية مستقلة لكل منطقة, لكن مقدار من الصلاحيات يكفي لتحقيق التنمية المحلية بفاعلية وكفاءة بحيث يتم توزيع الموارد حسب الأولويات الوطنية واحتياجات المناطق. وهذا يتطلب أن تشارك المناطق في إعداد خطط الوزارات بدلا من أن يقتصر جمع المعلومات على فروعها في المناطق بحيث تقوم كل منطقة بوضع تصوراتها ومطالبها في ميزانيات الوزارات وتبرير ذلك حسب استراتيجيتها, وأما فيما يتعلق بتطبيق السياسات والمشاريع والخدمات فيترك لكل منطقة حرية اختيار نوعيتها وكميتها وتوزيعها داخل المنطقة.
النهوض بالتنمية المحلية وتحقيق التنمية المتوازنة, حتى توفير الوظائف, يتطلب منح مجالس المناطق الصلاحيات اللازمة في صناعة القرار التنموي المحلي. ومتى ما منح المسؤولون المحليون الصلاحيات يكون تقييم أدائهم القيادي على النتائج المتحققة وقدرتهم على تحريك الموارد المحلية برؤية واضحة وعبر مهام محددة, لكن كيف السبيل إلى ذلك والمناطق والمسؤولون عنها لا يمتلكون الصلاحيات اللازمة لعمل ذلك؟! اللامركزية لا تعني إلغاء المركزية, وعلى أولئك الذين يتوجسون منها معرفة حقيقة مهمة هي أنها على عكس ما يتوهمونه تزيد من قدرة السلطة المركزية على التحكم والتوجيه، فتفويض الصلاحيات آلية فاعلة لتضييق نطاق الإشراف. ومهما يكن الأمر فاللامركزية أمر ضروري لا غنى عنه في مواجهة التحديات، فهي لم تعد ترفا سياسيا أو إداريا. ولذا أصبح من الضروري تطوير نظام المناطق ليتواءم مع المستجدات وعدم الاكتفاء بالحديث عن تفعيله لأنه يدور في فلك ضيق من الصلاحيات والأدوار ويعوق عملية التنمية المحلية التي هي جذور التنمية الوطنية.