رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين والسعودة

في سلسلة مقالات خلال الأسابيع الماضية عن الزكاة والأنظمة ذات العلاقة ودور مهنة المحاسبة والقدرة الكامنة فيها على خلق فرص عمل للمواطنين ومكافحة الفقر، استاء ـــ للأسف ـــ عديد من المراجعين من تلك المقالات وأنا ابن مهنتهم وخاصة مقال "الزكاة والتجار ومراجعو الحسابات.. شهود الزور". وبرغم إصراري على وجود فئة ممن يدعي وصلا بالمهنة ـــ مهنة المحاسبة ـــ بينما المهنة لا تقر لهم بذاك، وهم من يسيء استخدام الثقة ويفسد العمل الجماعي، إلا أنني أقول وبكل ثقة إن هناك من أبناء هذا الوطن مهنيين حقيقيين وغيورين يؤمنون بالمهنة وخطورة دورها في حماية الاقتصاد الوطني. ومن يمر بأروقة المهنة سيشاهد ويسمع عن كثير من الأعمال والنقاشات والجدل جميعها تصب في تطوير المهنة وتفعيل دورها الضروري، بل إن الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين هي إحدى أهم ثمرات ذلك النقاش والجهد.
لقد أثبتت الأحداث المالية العالمية الأخيرة أهمية هذه المهنة وخطورتها على التقدم الذي حققته البشرية في الأصعدة كافة. بل لقد أثبتت التجارب أن المحاسبين من أهم الجنود المجهولين الذين يقفون خلف إنجازات الحضارة الحديثة. ليس في هذا مبالغة، فلم يكن بمقدور الحضارة الحالية أن تظهر بلا موارد تدعمها، ولم يكن للموارد أن تؤدي دورها في دعم الحضارة إلا من خلال التخصيص الفاعل لها وتوجيهها نحو أفضل المشاريع التي تحقق شرط الكفاية والفاعلية (الاستخدام الأفضل للموارد المتاحة لإنتاج أفضل ما يمكن). هذا القرار المهم والخطير الذي لعب دورا بارزا في توجيه الاستثمارات والموارد المادية والبشرية منذ الثورة الصناعية وحتى اليوم، كان يعتمد بشكل أساسي على ما يقدمه المحاسبون من معلومات مالية دقيقة في جميع القطاعات والصناعات بتنوعها. لقد قدمت المحاسبة لعقود طويلة معلومات مالية مهمة عن تكاليف المواد الخام وأجور العمال ومستلزمات الإنتاج الأخرى في المجالات الطبية والتعليمية والصناعية والبحثية وغيرها كثير، وساعدت الدول على دعم المشاريع الأفضل، والمستثمرين على منح أموالهم لمن يحسن استخدامها ويحقق عوائد متميزة. بلا محاسبة كيف تدار المستشفيات، والمختبرات والأبحاث والمصانع وتشيد المباني والشركات والحكومات والسياسات؟ كيف تنشأ الأسواق المالية بلا محاسبة ومعلومات محاسبية؟ لقد تطورت العلوم بقدر ما حققت المحاسبة من تطور، وأي قفزات كبيرة للبشرية مرهونة بما ستحققه المعلومات المحاسبية والمالية من تقدم. بل من الصعب تخيل عالم اليوم بلا هذا الجندي العظيم ـــ المحاسبة. فلا يمكن لأي قطاع سواء حكومي أو خاص أو خيري أن يعمل إلا بنظام محاسبي متكامل العناصر والقوام يقدم معلومات تتسم بالدقة والصحة. كيف سنعرف حجم الناتج المحلي بلا أسعار؟ كيف نعرف الأسعار بلا إنتاج وتكاليف إنتاج؟ كيف نعرف تكاليف الإنتاج بلا محاسبة؟ كيف نعرف اتجاهات الأسعار والتضخم والانكماش والفقر والغني بلا محاسبة؟ كيف نعرف الزكاة والنصاب والوعاء بلا محاسبة؟
لم تظهر مصائب تشغيل الأموال والمساهمات العقارية العالقة وأزمات السوق المالية إلا عندما غابت المحاسبة بمعاييرها وقواعدها المرعية وغاب المحاسبون المهنيون الأكفاء. ثم بعد كل هذه الأهمية كيف بقيت وظائف المحاسبة ـــ جزئيا ـــ خارج أيدي أبناء الوطن؟ وكيف ندعي عدم وجود وظائف لخريجيها وخاصة الدبلوم التقني؟
لهذا كله ولتلك المخاطر الكبيرة التي تصاحب قرارات تخصيص الموارد وتنويع الاستثمارات، فقد أولى العالم المتقدم بأسره اهتماما بالغا للمحاسبة، ويأتي إنشاء الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين ليوضح اهتمام المملكة بتطوير المهنة ومنسوبيها. والحق يقال إن الهيئة حققت نقلة نوعية بارزة وباشرت مهام جسيمة برغم حداثة التجربة مقارنة بمثيلاتها العالمية وقلة الموارد ومحدودية الدعم، فطورت ونفذت برنامج اختبار الزمالة وبرنامج لمراقبة جودة أداء المراجعين، وذلك ضمن برامج عدة هدفها النهائي ضمان تدفق معلومات مالية دقيقة ومعدة وفقا لأحدث المعايير العالمية التي تتناسب مع البيئة المحلية.
ولكن وبرغم أن الحصول على لقب "محاسب قانوني" يشترط اجتياز اختبار الزمالة الذي تعده الهيئة (أو تقبله)، إلا أن الملاحظ كثرة من يدعون هذا اللقب الوجيه ولما يجتازوا الاختبار المهني بعد. تجدهم في الشركات والمؤسسات ـــ غير سعوديون ـــ ليس لديهم حتى بكالوريوس المحاسبة ويدعون "أنهم قانونون". بعضهم يعمل كتاجر شنطة لإعداد قوائم مالية "ملفقة" للتهرب من الزكاة والحصول على التصنيفات الضرورية للمناقصات، يشكلون سوقا سوداء للمهنة يعملون بلا مكاتب وغير خاضعين لرقابة الهيئة ولا أي جهة حكومية أخرى، والأخطر أنهم يضغطون على الأتعاب المهنية ويحاربون المهنيين المرخصين الخاضعين لأنظمة مكلفة.
تعمل الهيئة وحيدة جاهدة لمكافحة كل أنواع التلاعب المهني أو الإخلال بالواجبات المهنية أو الادعاءات الكاذبة. وتصر على المراجع الممارس ـــ ضمن التزامات مهنة أخرى ـــ أن يكون متفرغا لهذه المهنة غير منشغل بغيرها. لكن الدعم الذي تلقاه الهيئة لا يتناسب مع حجم الدور والمسؤولية الملقاة عليها، كما أن مشاركة الهيئة لم تجد طريقها إلى المصالح والوزارات المختلفة حتى الآن وما زالت الهيئة تعامل معاملة مستشار فقط في بعض الأحيان، وقد أوضحت في المقالات السابقة بعض أوجه التعاون المحتملة ويحتاج الأمر إلى مقالات ودراسات علمية لتوضيح ذلك بشكل مفصل. لقد وجد عديد من الهيئات لدينا اهتماما وموارد هائلة برغم حداثتها ومحدودية دورها وتأثيره. إن دعم الهيئة ومتابعة تطبيق جميع الأنظمة ذات العلاقة بالمهنة ـــ كنظام الدفاتر التجارية وغيرها كما أوضحها المقال الأسبوع الماضي ـــ يجب أن يكون جزءا من مشروع متكامل للسعودة هدفه تنمية الاقتصاد الوطني، ويجب أن تشارك الهيئة في هذا المشروع وأن تُدعم من أجله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي