أين يكمن ضعف العرب والمسلمين .. كيف يتصرف أثرياء القوم؟ (3)

تحدثنا عن أثرياء السويد في الأسبوع الماضي, وقلنا إن الكيفية التي يتصرف بها الأثرياء لها دلالات عميقة عن التحضر والتمدن الذي وصله مجتمع ما. وبما أننا نناقش مسائل إنسانية بحتة، فالتعميم غير جائز فيها. المسائل الإنسانية نسبية, ولهذا لا يجوز القول إن كل أثرياء السويد يتصرفون بطريقة حضارية وإنسانية, وإن أعطينا أمثلة عن تصرف بعض أثرياء العرب والمسلمين فهذا لا يعني التعميم أيضا, الفرق يكمن في الأرضية الأخلاقية والإنسانية السائدة في المجتمع.
بيد أن الشائع في المجتمعات الغربية أن الثري يعمل جاهدا لتحسين صورته وصورة عائلته في المقام الأول بين أبناء قومه, ولا سيما الأقربون منهم لأنهم أولى بالمعروف. ويحاول الثري في هذه المجتمعات ترك بصمات إيجابية على المنطقة التي ولد فيها. وللإحسان صفات منها ما يمقتها البشر, ولا سيما عندما يكون مشروطا ولغايات معينة, ونحن كبشر قلما نتخلص من غاياتنا الخاصة، إن كانت شخصية أو اجتماعية.
والضعف يأتي في المقام الأول من الاستجابة لطرف غريب عن كيفية التصرف في المال لغايات الإحسان. حتى في هذا المجال وقع العرب والمسلمون ضحية ضعفهم. الغرب، بقوته وسياسته ودهائه أخذ يفرض طرقا وأساليب على المحسنين من العرب والمسلمين، وهم الأثرياء بالطبع، تخص كيفية إنفاق أموالهم فباسم محاربة الإرهاب والعنف وما شاكله وقع المحسنون العرب والمسلمون وجميعاتهم تحت هذه المطرقة: أي عليهم الإحسان فقط في المناحي التي يرتضيها الأقوياء، وهم الغربيون بالطبع. انظر إلى كمية الإعلان المدفوع الأجر الذي يحارب الإرهاب في الإعلام العربي, ولا سيما التلفزيون. نعم يجب أن يُحارب الإرهاب بكل أشكاله, لكن حصره في العرب والمسلمين أمر يثير الغرابة والدهشة. بمعنى آخر يجوز للمحسنين الأمريكيين وجمعياتهم التبرع للصهاينة لهدم بيوت الفلسطينيين وقلع بساتينهم لبناء مستوطنات في أرض غيرهم ورمي صاحب الأرض الحقيقي على قارعة الطريق, هذا بالنسبة لهم ليس من الإرهاب في شيء, لكن لا يجوز التبرع للمحاصرين من المدنيين والمجاهدين في غزة. والأمثلة كثيرة عندما يتعلق الإحسان بأمصار ومجتمعات عربية وإسلامية.
واللوم لا بل كل اللوم يقع على أثرياء العرب والمسلمين دولا وأفرادا, لأنهم ربطوا مصيرهم بمصير ماكينة المال والصناعة في الغرب. انظر إلى الطريقة التي تستثمر بها الصين وانظر إلى الطريقة التي يستثمر العرب والمسلمون أموالهم. الصين اشترت قبل سنين شركة روفر البريطانية لصناعة السيارات بعد إفلاسها .. ماذا فعلت بها؟ نقلت كل مكائنها وأجهزتها المتطورة ومهندسيها وعلمائها إلى منطقة متدنية التطور في الصين لغرض إنمائها. وقبل أسابيع اشترت شركة فولفو للسيارات .. ماذا فعلت بها؟ أبقتها في السويد, لكن اشترطت أن تبني "فولفو" ــ وهي واحدة من أكثر الشركات تطورا في العالم, حيث تمتلك حلقات تكنولوجية من الطراز الأول ـــ معامل ومصانع شبيهة بما لديها في الصين. بمعنى آخر المستفيد الأول هو الشعب الصيني.
المعادلة معكوسة تقريبا لدى أثرياء العرب والمسلمين دولا وأفرادا. للأثرياء العرب حصص كبيرة جدا تصل إلى درجة التملك في ثلاث شركات سويدية عملاقة في البناء والصناعة, لكن المستفيد الأول من الاستثمار هو السويد. وقس على ذلك الاستثمارات الإسلامية, ولا سيما العربية منها في الغرب, حيث يهرع الأثرياء بثرواتهم لاستثمارها في العقارات والشركات والأندية والأسواق مما يدر أرباحا طائلة للمجتمعات الغربية. وإن حدث واستثمر ثري عربي أو أجنبي في بلد عربي فإن عوائد الاستثمار قلما تنساب إلى المجتمع من حيث العمالة والاستفادة من التكنولوجيا المنقولة, لأن كل شيء تقريبا في المعمل أو المصنع يديره أجانب, ولا سيما في بلدان الخليج العربي الغنية جدا.
هذا عدا ما تتناقله الصحافة الغربية من أعمال وأمور يقوم بها بعض أثرياء العرب في العواصم الغربية منها ما يقزز النفس ومنها ما يجعل المتشبعين بالحضارة العربية والإسلامية من أمثالي يشبكون عشرهم على رأسهم من الحزن واليأس. ظهرت في رمضان، هذا الشهر الفضيل، تقارير في الصحافة البريطانية الرصينة وليس الشعبية تميط اللثام عن تصرفات يسمونها "رماضانية" لكنني أسميها شيطانية قام بها بعض أثرياء العرب منها ما يندى له الجبين ومنها ما لا أعتقد تسمح صفحات جريدتنا الغراء بنشره ليس لأنه ممنوع, بل لأنه يخدش الأخلاق العربية الأصيلة.
كل هذا يحدث وهؤلاء الأثرياء يدعون أنهم أتباع نص سماوي يكرر الله فيه عبارة "ولا تعثوا في الأرض مفسدين" خمس مرات (البقرة، الأعراف، هود، الشعراء، والعنكبوت).
وإلى اللقاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي