التطرف الاقتصادي
المراقب الدقيق للاقتصاد السعودي على مدى العقود الماضية يعرف أن النمو الاقتصادي الفعلي محدود وليس أكثر من النمو السكاني، وأن البطالة في تزايد واستقبال العمالة الأجنبية في تزايد لمزاحمة المواطن السعودي. يتزامن مع ذلك ازدياد مطرد في المصروفات الحكومية، التي كانت في الثمانينيات الميلادية في غالبها رواتب وصيانة حينما كان النمو في البنية التحتية محدوداً، مما أثر لاحقاً في فرص النمو، وكذلك كان توقف البعثات الدراسية عاملاً سلبياً آخر. تلا ذلك فترة قصيرة من النمو على أثر ارتفاع النفط والمصروفات أثناء حرب الكويت وبعدها عاودنا السبات الاقتصادي في فترة التسعينيات ولم يتم الكثير في هذه الفترة عدا بعض الاستثمارات النفطية وتحديث أسطول ''السعودية'' وقطاع الاتصالات على أثر الخصخصة الجزئية. الجزء الإيجابي في تلك الفترة كان النمو الحثيث في قطاع الإنشاءات الخاصة. ولكن التطور اللافت الأبعد مدى هو الذي بدأ منذ أواسط السبعينيات، وتأكد في التسعينيات أن النظام الاقتصادي أصبح رهينة للدعم الحكومي وأدمن الجميع من شركات ورجال أعمال ومواطنين على الدعم والمنافع المسترخصة واستفحال الاعتماد على العمالة الأجنبية بما في ذلك من حالة إقصاء اقتصادي نسبي ولكنه واضح للمواطن السعودي من اقتصاديات سوق العمل.
يحكم هذه الحالة في الاقتصاد درجة عالية من الاستقطاب في المنظومة الاقتصادية فنحن نأخذ رسمياً وعملياً بنظام اقتصاد السوق في عدة قطاعات، وكذلك نأخذ رسمياً وفعلياً بنظام دولة الرفاه الحكومي الذي في جوهره اشتراكي فمن ناحية، نحن رأسماليون إلى العظم في الكثير من الممارسات الاقتصادية إلى حد السماح والتراخي مع بعض الاحتكارات مثل وكالات السيارات والصناعة المصرفية والأراضي وقطاع الإنشاءات للمشاريع الكبيرة، ونأخذ بالنظام الاشتراكي في ''ترخيص'' المنافع مثل الوقود والكهرباء والماء والغاز، والأهم المساواة بين الكفء وغير الكفء والتسامح مع الكسول.
فهناك حالة تطرف في الاقتصاد تجعل الجسم الاقتصادي مشدودا ومشتتا. هذه الحالة من التطرف تسهم سلبياً من عدة نواح. الأولى، أنها تعوق إبراز شخصية النهج الاقتصادي في المملكة، ولذلك يصعب دائماً تحديد طبيعة الاقتصاد السعودي فهو متقدم استهلاكياً ومتأخر إنتاجياً، وهو يستوعب الملايين من الأجانب ويشتكي من التعليم ثم يستقبل ملايين من غير المتعلمين بينما الكثير من السعوديين والسعوديات المتعلمين لا يجدون عملاً. ثانياً، هذا الاستقطاب يجعل من مهمة التعامل مع الجزئيات للوصول إلى حلول كلية صعباً، حيث إن الترابط بين الرأسمالي والاشتراكي وثيق، فعلى سبيل المثال يقاوم الكثير من رجال الأعمال أصحاب المصالح الحد من الاستقدام تحت أعذار مصلحية ضيّقة تُعلَّب على أنها حلول عملية وتخدم التقدم الاقتصادي ومجاراة العالم المتطور. مثال آخر يصعب أن تطالب الحكومة بعمل بنية تحتية في كل مكان بينما أسعار الوقود رخيصة وجزء كبير من الأراضي يحتفظ به كأداة استثمارية ومضاربة على حساب دورها الرئيسي في إعمارها. ثالثاً، هناك ناحية تربوية ذات بعد اقتصادي، فأصبح الكثير لا يفرق بين الاستهلاك والاستثمار لأن الخط الأساسي للاقتصاد مبني على استهلاك العوائد النفطية إما مباشرة من خلال تمويل الميزانية وأسعار الوقود والمنافع وإما بشكل غير مباشر من خلال دورها في العملية الإنتاجية.
تفكيك حالة التطرف الاقتصادي يتطلب وسطية في تحجيم النزعات الرأسمالية من خلال حماية المستهلك وتفعيل أنظمة المنافسة واستقلاليتها وتقوية نفوذ الهيئات الرقابية وإدخال آلية الرسوم والضرائب للتحفيز والتوجيه لإدارة الاقتصاد وليس للجباية، وكذلك تقليل دور الحكومة في تشويه اقتصاديات المنافع من خلال إعادة التفكير في تسعير هذه المنافع ومساعدة من يحتاج مباشرة. الحالة الوسطية هي القاعدة الأساسية التي يمكن أن تكون منطلقاً جديداً وأول محاولة جادة لإعادة هيكلة النظام الاقتصادي في المملكة. الواضح أن درجة الاستقطاب والتطرف تسهم في بعثرة الجهود في التباعد بين فئات المجتمع وتزيد من الطبقية، وهذه تحمل أخطاراً على المجتمع وتصعب مهمة إيجاد أرضية قابلة للنقاش الموضوعي اقتصادياً.