رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


البطالة.. مشكلة سياسة لا وزير

كتب الأخ الخميس في جريدة ''الحياة'' منتقدا وزير أو وزارة العمل بعنوان ''متحدثون.. أكثر من عمليين''، ورد عليه الدكتور غازي القصيبي ـــ رحمه الله ـــ بسرعة في الجريدة نفسها بتاريخ 4 آذار (مارس) 2008. مما استوقفني بشدة في رد القصيبي قوله ''ليت المشكلة ترتبط بهذا الشخص الضعيف العاجز وبعجزه عن القيام بمهماته، إذاً لكان القضاء على المشكلة أسهل من سهل، يذهب الوزير العاجز ويجيء وزير فعال...إلخ''.
ثم ختم القصيبي رده بقوله ''تأكد أن بقائي على المسرح لن يطول، وعندما أذهب ويجيء غيري، ويجيء غيره، ويجيء غيره، ربما تقتنع بأن مشكلة البطالة ـــ وهي من صنع المجتمع كله ـــ أكبر من أن يحلها فرد واحد''.
القصيبي وزير عُرفت عنه الفاعلية في إدارته لوزارتي الصناعة والصحة. وإدارته لوزارة العمل لم تكن بتلك الفاعلية. ما السبب؟ يقول البعض العمر. ولكنني أخالفهم، أو على الأقل لا أرى أنه السبب الأول.
كل سياسات السعودة أو قل بعبارة أخرى سياسات محاربة البطالة جهلت أو تغافلت عن مشكلة، لن تنجح جهود مكافحة البطالة دون معالجتها. أيها الإخوة القراء لن تنجح جهود السعودة القائمة ـــ مثل جهود صندوق الموارد البشرية والتدريب... إلخ ــــ طالما بقيت آلية سوق العمل معطلة، لأنها تعطل أو تهدم الاستفادة من جهود السعودة الأخرى. فحالنا يكاد أن ينطبق عليها قول الشاعر:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
في أكثر من دراسة واستبيان، كان انخفاض تكاليف العمالة الوافدة النسبي أهم معوق للسعودة من وجهة نظر المؤسسات ورجال الأعمال. وهذه التكلفة تظهر بصور عديدة، مثل الأجور وساعات العمل والانضباط في مواعيد العمل والاستقرار (البقاء في الوظيفة) والعمل في ظروف أصعب...إلخ.
أمامنا خياران: رفع تكاليف الاستقدام والإقامة ورخص العمل، لتجعل تكلفة الوافد (مأخوذا في عين الاعتبار كل صور أو عوامل التكلفة السابقة) مساوية لتكلفة اليد العاملة السعودية. هذا الخيار لا أراه الأنسب لوحده.
الخيار الآخر: تعديل نظام الإقامة الحالي بما يسمح بتحرير سوق العمل، ومن ثم رفع تكاليف العمالة الأجنبية لتحقيق توازن العرض والطلب في سوق العمل السعودية.
أنظمة الإقامة والاستقدام الحالية تمنع توازن قوى العرض والطلب في سوق العمل، بسبب بسيط، وهو أنها تعطي صاحب العمل (الكفيل) الحق في ترحيل الوافد، إذا لم يقبل العمل ضمن ما تم الاتفاق عليه. هذه أداة قوية لخفض تكلفة الوافد.
أهم أداة لمعالجة هذه المشكلة إعطاء الوافدين الحرية في تغيير صاحب العمل، وكانت موضوع مقالتي في الأسبوع الماضي. طبعا لا بد أن يصاحب ذلك تحديد سقف صريح لا تلاعب فيه بعدد التأشيرات الممنوحة سنويا.
أثار بعض الإخوة القراء تعليقات على المقال السابق، وأحب أن أعلق على هذه التعليقات هنا:
أثار بعض القراء نقاطا مثل تحديد ساعات العمل وتقليل عدد المحال في الشوارع وزيادة تدريب السعوديين ونحو ذلك. هذه الاقتراحات مهمة لكنها ليست جديدة، فمثلا ناقشتها استراتيجية التوظيف التي أصدرتها وزارة العمل واعتمدها مجلس الوزراء قبل سنة أو سنتين. لكن تطبيق هذه المقترحات لم ينجح و/أو لا ينجح النجاح المطلوب مع بقاء نظام الإقامة على حاله. تحرير سوق العمل سيسهل نجاحها مع مرور السنين.
أثار قارئ اعتراضا أن إعطاء الوافدين حرية تغيير صاحب العمل سيبقي الصغير صغيرا.
لا أوافق وبقوة على هذا الاعتراض. دول العالم تعتمد على أبنائها في إدارة وتشغيل المنشآت الصغيرة، ولم يقل أحد أن هذا يعني أن الصغير سيبقى صغيرا إلى الأبد. لقد تعودنا عبر السنين الـ40 الماضية على نمط تشغيلي للمحال الصغيرة، وهو نمط بدأ مع الطفرة السابقة. هذا النمط صالح نسبيا (من وجهة اقتصادية محضة) لمجتمع غني ذي عدد صغير من السكان المواطنين، كبعض دول الخليج، ولكنه لم يعد صالحا للمملكة. قد حان الوقت لتغيير هذا النمط، فسكان المملكة المواطنين سيبلغون نحو 70 مليونا بعد نصف قرن.
ناقشني أحد القراء في أن المؤسسات الصغيرة حصلت (سواء بصورة مشروعة أو غير مشروعة) على عمالة أكثر من حاجتها، ومن ثم قامت بتأجيرها إلى شركات كبرى. أقول إن حرية الوافد في تغيير صاحب العمل تقضي على هذه المشكلة، فكل صاحب عمل يحصل على حاجته من سوق العمل مباشرة، حسب قدراته. ولأن تطبيق الفكرة يقتضي إيقاف العمل بأسلوب إعطاء تأشيرات لكل مؤسسة أو شركة على حده.
تم تعيين وزير عمل جديد، وكثرت التعليقات والآمال، وأقول إن المشكلة الأولى ليست في وزير، ولكنها في سياسة إقامة واستقدام، وبالله التوفيق،،،

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي