رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أنظمة (يعني إني؟!) والسعودة

لو أننا قسنا الحضارة والتقدم بعدد الأنظمة واللوائح الصادرة في بلد ما، فإننا نُعتبر دولة متقدمة جدا، فما أن تظهر مشكلة ولو بسيطة حتى نسارع لإصدار نظام لها، وهذا في حد ذاته رائع، والأمر الأكثر إبداعا أنها ـــ بطبيعتها ـــ تخلق فرصا وظيفية لا يكفي لتغطيتها شبابنا ولو معهم مثلهم ضعفان، والسؤال لماذا يختفي أثر هذه الأنظمة ـــ على كثرتها ـــ عند خلق فرص وظيفية للمواطن خاصة في القطاع الخاص؟ أتمنى أن تتم دراسة عن عدد وتكاليف إصدار الأنظمة لدينا وما ترتب عليها من نفقات وميزانيات لتشكيل الدوائر والجهات والمكاتب والمديرين والمكافآت وخارج الدوام، ولماذا لا يتجاوز الأمر ذلك، بينما يبقى تطبيق النظام أو جزء منه محل تردد وعدم اهتمام؟
دعوني أتصفح معكم الموقع الإلكتروني لوزارة التجارة والصناعة الذي يتضمن 24 نظاما, إضافة إلى 11 لائحة أخرى وترخيصا تسعى جميعها ـــ بلا شك ــــ إلى حماية الأمن والاقتصاد والأموال العامة والخاصة. لكن، ومع الأسف، بعض تلك الأنظمة تم نسيانه تماما إلا من بعض المسؤولين في الجهة المختصة, وبعضها الآخر طبق منه جانب وأغفل باقي جوانب النظام حتى إذا أثيرت الأسئلة عن نقص النظام قالوا بل كامل وأنتم جاهلون به ـــ إن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. ومع ذلك فهذا المقال لا يهدف إلى نقد عدد الأنظمة وتكاملها, بل تطبيقها الذي لو تم على ما يجب لساهم في معالجة مشكلة البطالة إلى حد كبير.
فمثلا نظام الدفاتر التجارية ينص في مادته الأولى على أنه ''يجب على كل تاجر يزيد رأسماله على 100 ألف ريال أن يمسك دفاتر تجارية بطريقة تكفل بيان مركزه المالي بدقة، وبيان ما له من حقوق وما عليه من التزامات.. هذا هو النظام فأين التطبيق؟ كم يوجد لدينا تاجر ومؤسسة رأسمالها يتجاوز 100 ألف ريال؟ وكما يقولون (عد واغلط). إذا لماذا لا يجد أبناؤنا خريجو أقسام المحاسبة والإدارة (خاصة في كليات التقنية) وظائف في هذه المؤسسات والمحال التجارية؟ بل إنني على يقين بأن جميع كليات المملكة لن تستطيع أن توفي باحتياج السوق فيما لو تم إجبار المؤسسات على تنفيذه. كم من مؤسسة نتعامل معها يوميا ويتعامل معها المسؤولون في الوزارات المعنية بتطبيق النظام والمالية والعمل ومصلحة الزكاة ويرونها تحقق إيرادات ضخمة ورأسمالها ــ بلا ريب ــ يتجاوز 100 ألف ريال، منها المطاعم والمعارض والورش وقطع الغيار, ومع ذلك لا تجد فيها محاسبا ولا دفترا ولا فواتير نظامية؟ كم من مكتب محاسبي سيعمل ويقوم بتوظيف سعوديين لو تم تطبيق النظام؟ والأدهى من كل ذلك أن تأتي العقوبة بسيطة بالنسبة لمقام النظام وأهميته على مستوى الاقتصاد، فبعد العبارات القاسية مثل ''يجب'' و''لا يجوز'' و''عليه''، تأتي العقوبة لمن خالف بسيطة جدا, بل طوق نجاة وغرامة بخمسة آلاف ريال لا تعني شيئا مقابل توظيف شخص قد يكلف 100 ألف ريال.. فأين النظام عن كل أولئك وقد صدر, أم هو لتزيين الموقع الإلكتروني فقط؟
والحال تتكرر مع الكثير من الأنظمة الأخرى, فهذا نظام المعادن الثمينة والأحجار الكريمة في المادة 16 من لائحته التنفيذية ينص على أنه يحظر مزاولة مهنة صائغ إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من وزارة التجارة, ويشترط للحصول على هذا الترخيص أن يتقدم السعودي بطلب له أو للعمال الأجانب الذين يعملون في مشغله، مبينا فيه مكان مزاولة المهنة. أي أن الوزارة ستكون ـــ وفقا لهذا النظام ـــ قادرة على معرفة من سيعمل في مهنة الصائغ بشكل دقيق فكيف لا نستطيع سعودة هذه المهن أو جزء كبير منها؟ كيف لم يجد المواطن السعودي فرصا وظيفية في مهن تدر ذهبا وتعمل في الذهب؟ لا محاسب ولا صائغ ولا بائع والكل ينادي بالسعودة وخلق الفرص بينما النظام يساعد على التهرب منها بعقوبات بائسة.
وإذا كنا نتعامل مع الأنظمة التي تمثل فرصا للسعودة، فإننا جميعا نعتقد أن نظام الاستثمار الأجنبي مخالف لذلك، لكن الحقيقة مختلفة, فهو يسهم بشكل كبير في خلق فرص لتوظيف السعوديين, فالمادة 15 تنص على أن يلتزم المستثمر الأجنبي بالتقيد بكل الأنظمة واللوائح والتعليمات المعمول بها في المملكة وبالاتفاقيات الدولية التي تكون طرفا فيها. فقرارات السعودة ونظام الدفاتر التجارية وغيرهما مما يدعم السعودة يمكن تطبيقها على المستثمر الأجنبي لو أننا أخذنا الموضوع بشكل جدي وقام كل بواجبه. كما أن اللائحة التنفيذية للنظام تنص على ألا يقل حجم المال المستثمر عن 25 مليون ريال سعودي بالنسبة للمنشآت الزراعية, وعن خمسة ملايين ريال سعودي بالنسبة للمنشآت الصناعية، وعن مليوني ريال سعودي بالنسبة للمنشآت الأخرى, وتنص كذلك على أن يلتزم أصحاب المنشآت المرخص لها باتباع نظام محاسبي معتمد لمنشآتهم وميزانية معتمدة من أحد مكاتب المحاسبة المرخص لها، وتقديم ما تطلبه الهيئة من إحصاءات وبيانات عنها.. فهل طبق كل ذلك فعلا؟ وكيف ــ رغم النظام ـــ لا يجد الخريج السعودي في تخصصات المحاسبة والإدارة وظيفية؟ وكيف تعاني مكاتب المحاسبة والمراجعة ما تعانيه للحصول على عميل وبأتعاب بالكاد تغطي تكاليف العملية؟
وما زلنا مع الأنظمة, فهذا نظام التقسيط في مادته التاسعة يشترط لمزاولة عمليات البيع بالتقسيط على وجه الاحتراف أن يتم ذلك من خلال شركة أو مؤسسة مرخص لها بذلك من قبل وزارة التجارة والصناعة, وأن يمسك سجلا خاصا لقيد عملياته, وأن يمسك حسابا منتظما بالإيرادات والمصروفات التي تتعلق بهذه العمليات، وتجب مراجعة هذا الحساب سنويا بمعرفة محاسب مقيد في سجل المحاسبين القانونيين وفقاً لنظام المحاسبين القانونيين. كما أن نظام التنظيم الصناعي الموحد في مادته الـ 23 ينص على أنه يجب على كل صاحب مشروع صناعي الالتزام بأن تكون حسابات المشروع الصناعي منتظمة وفقا للأصول المحاسبية والقواعد القانونية المرعية، وأن يقدم للإدارة الميزانية العمومية مصادقا عليها من محاسب قانوني، والحسابات الختامية لكل سنة مالية. كيف بعد كل هذه الأنظمة لم تزدهر مهنة المحاسبة والمراجعة لدينا ولم يجد أبناؤنا وظائف؟
هذه مجرد مسحة عامة غير متعمقة لبعض الأنظمة في وزارة واحدة, فكيف لو بحثنا في كل الوزارات والجامعات والمؤسسات والهيئات وتعمقنا في كل نظام وكل لائحة تنفيذية؟ وأعود لطرح تساؤلاتي هل هذه الأنظمة كي نقول (يعني إني؟).

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي