الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد .. بعد 3 سنوات من إقرارها
لعل الفترة التي مضت على إقرار مجلس الوزراء الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد بتاريخ 1/2/1428هـ، تعتبر كافية لتشخيص مشكلات الفساد في المملكة وإيجاد قاعدة المعلومات الوطنية التي نصت عليها الاستراتيجية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد وتوفير الكوادر البشرية والإمكانات التقنية الحديثة ودراسة هياكل الأجهزة المختصة الموجودة حاليا ومهامها لضمان عدم الازدواجية عند إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي طال انتظارها لكي تتولى تنفيذ الاستراتيجية ووضع برامج عملها وآليات تطبقها وتنسيق جهود القطاعين العام والخاص في تخطيط ومراجعة برامج مكافحة الفساد.
وبقراءة متأنية لنصوص الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد نجد أنها وضعت بشكل جيد ومحكم، حيث تطرقت في المقدمة إلى تعريف الفساد وهو (أي انتهاك للقواعد والضوابط التي يفرضها النظام .. وأي سلوك يهدد المصلحة العامة لتحقيق مكاسب خاصة) كل ذلك في القانون الوضعي .. أما في الشريعة الإسلامية فهناك تعريف جامع شامل .. وهو (أن الفساد كل ما هو ضد الصلاح) وعن أنواع الفساد ورد في المقدمة أيضا أن أهمها (الرشوة والمتاجرة بالنفوذ. وإساءة استعمال السلطة والإثراء غير المشروع والتلاعب بالمال العام واختلاسه وتبديده أو إساءة استعماله وغسل الأموال والجرائم المحاسبية والتزوير والغش التجاري).
ولعل أهم جزء في الاستراتيجية هو التأكيد على هدفها الرئيس المتمثل في حماية النزاهة ومكافحة الفساد بشتى صوره وتحصين المجتمع السعودي ضد الفساد بالقيم الذاتية .. والأخلاقية والتربوية وبعيداً عن النصوص النظرية نجد على أرض الواقع حالات من مختلف أنواع الفساد أبرزها الرشوة واستغلال الوظيفة .. والغش التجاري الذي قال مدير عام الجمارك إنه تم ضبط 8 ملايين وحدة مغشوشة ومقلدة في الأشهر الستة الماضية فقط .. وهذا الكم الهائل من الغش يتسبب في خسائر بشرية نتيجة استعمال قطع غيار مغشوشة مثل كوابح السيارات والإطارات .. كما أن الخسائر المادية تصل إلى 41 مليار ريال سنوياً.
ويقول مدير مختبر المعايرة والقياس إن أسواق المملكة تعج بكميات من السلع والمنتجات غير المطابقة للمواصفات القياسية السعودية .. وفي مجال المنتجات الكهربائية وهي الأخطر تصل إلى 80 في المائة مما هو موجود في السوق ويعود ذلك إلى غياب القيم الأخلاقية والمبادئ لدى المصنعين والموردين وقلة الكوادر المتخصصة في الكشف عن السلع المغشوشة والمقلدة وعدم وجود ربط بين الجهات المعنية بمكافحة ظاهرة الغش التجاري .. ولذا فإن وجود الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد .. أصبح أمراً ضرورياَ وملحاً وعاجلاً للتنسيق بين مختلف الجهات لمكافحة الغش والفساد في كل المجالات.
وأخيراً: إن مكافحة الفساد تتطلب صدور نظام لحماية المال العام وبرامج إصلاح شاملة تحظى بدعم قوي على مختلف المستويات، حيث إن الفساد لا يرتبط بنظام سياسي معين .. بل يظهر عندما تكون الظروف مواتية لظهوره، كما جاء في نصوص الاستراتيجية الوطنية التي نتحدث عنها .. فإن من واجبنا جميعاً في القطاعين العام والخاص وكمواطنين مسلمين ألا نهيئ الظروف لانتشار الفساد وأن نكون عوناً للهيئة الوطنية المنتظرة لمكافحة الفساد .. كما أن إنشاء أجهزة مساندة لهذه الهيئة ضمن مؤسسات المجتمع المدني وإشراكها في حماية النزاهة ومكافحة الفساد أمر مهم ويبقى بعد ذلك أن أهمية الشفافية وتداول المعلومات وعدم اللجوء للسرية إلا في الأمور التي تمس السيادة والأمن الوطني والتأكيد على موظفي الدولة بأن الوضوح وسيلة فاعلة للوقاية من الفساد وخاصة في ما يتعلق بالعقود والمشتريات وكل هذه الجوانب وردت ضمن نصوص تلك الاستراتيجية المهمة لحماية مجتمعنا من الفساد.