قراءة في كتاب
من قراءات الصيف وقعت يدي على كتاب بعنوان «إغلاق العقل المسلم – كيف ساهم الانتحار الثقافي في أزمة الإسلاماويين» للكاتب الأمريكي روبرت رايلي. الكاتب متفرغ للبحث بعد أن عمل في وزارة الدفاع الأمريكية وترأس صوت أمريكا ومستشاراً لوزارة الإعلام العراقية بعد الغزو. من المفيد جداً أن نعرف ماذا يقول الآخرون عنا, خاصة في ظل الأزمة الحضارية التي تعيشها الأمة منذ سقوط بغداد على يد المغول. لسنا هنا بغرض التأييد أو الشجب ولكن للتروي ومراجعة الذات والارتقاء للتحدي. يذكرنا الكاتب بأن نقاط الانعطاف والتحولات الحضارية عادة ما تبدأ ثقافية فلسفية، حيث إن البنية التحتية الفكرية هي المحدد والقاعدة للانطلاق. يتبع ذلك أطر النقاش والهياكل الاجتماعية والسياسية التي تحكم المجتمع. في جوهر الكتاب يجادل الكاتب بأن نقطة الانعطاف «الخطأ» بدأت من انتصار المدرسة الأشعرية بقيادة الغزالي المتوفى عام 1111م وهزيمة مدرسة ابن رشد المنادية بالعقلانية المقتبسة من الفلسفة اليونانية, خاصة أرسطو.
يقول الكاتب إنه لما خرجت الخلافة من جزيرة العرب دخلت في مواجهات فلسفية وفكرية مع الحضارات التي سبقتها وخاصة اليونانية, نظرا لقرب دمشق عاصمة الأمويين, ثم الفارسية والهندية بعدما انتقلت العاصمة إلى بغداد مع العباسيين. هذا التلاقح «أجبر» المسلمين على الدخول في خضم هذه التيارات خاصة بعد ما توقف التوسع الجغرافي وبدأ الخلفاء في تشجيع العلوم. وكان أول من أخذ بالنهج الفلسفي الخليفة المأمون الذي تأثر بأفكار أرسطو في المنهج العقلاني, متمثلاً في مدرسة المعتزلة، ولكن هذا التيار ضعف تدريجياً على يد من تلاه من الخلفاء مع اشتداد المعارضة الدينية والفكرية المتمثلة فيما لاقاه الإمام أحمد بن حنبل من تعذيب. ولكن صاحب الانتصار الفلسفي والفكري هو الغزالي الذي دحض دور الفلسفة تماماً ونادي بأن نقطة البداية هي القوة والإرادة الإلهية, بينما نادى ابن رشد بأن العقل والمنطق هو نقطة البداية في طبيعة البشر بتوجيه إلهي.
يزعم الكاتب أن هذا الاختيار الحاسم هو ما دفع الأمة الإسلامية إلى تغليب القوة في المنظومة المعرفية وبالتالي السياسية من منطق مفهوم الإرادة الإلهية, مما يتنافى مع الفكر العلمي التدرجي والتسببي وبالتالي الديمقراطي في التنظيم المعرفي السياسي. إحدى نتائج هذا الطرح الفكري هي إبعاد الفلسفة كمادة دراسة جديرة بالاهتمام, وبالتالي غياب المحرك التربوي للتفكير النقدي وتقبل الأطر الذهنية الجديدة. يزعم كذلك أن طول المدة في إبعاد فرصة النقاش الحر البناء جعل المراهنة على غيره مغامرة غير محسوبة وخطيرة في ظل قوى التقليد واستناد الشرعية إلى هذه الأرضية الفكرية، فأصبح هذا المنظار أحاديا. انتهى في الأخير إلى القبول باستعمال القوة كمصدر للشرعية السياسية.
استدلال الكاتب بما قيل وكتب في الماضي والحاضر من اقتباسات يدل على جهد مضاعف. إلا أن هناك بعض الهفوات, فهو يذكر - على سبيل المثال - أن هذا «التطور» يخص المذهب السني ولكنه يفشل في تقديم فكر شيعي يختلف جذريا, كما أنه يذكر أن ليس في العربية كلمة «ضمير» وهذا إسقاط. وأخيرا يخفف من وطأة التجربة المسيحية المريرة في القرون الوسطى.
الكتاب جدير بالاهتمام والمناقشة الفكرية الهادئة, ولعل مكانها ليس عمودا صحافيا لشخص غير عليم بالقواعد الفلسفية والمعرفية. فالأحرى بجامعات الإمام وأم القرى والأزهر وغيرها الدخول في هذا النقاش. المأزق الحضاري واضح والعلاقة مع الثقافة والفلسفة واضحة ولكن هذه نهاية اليقين لغير المختصين. الفقر والضعف الثقافي أن نبتعد عن الساحة الفلسفية. فعلى مفكرينا وأساتذة العلوم الشرعية والدينية مساءلة الغزالي وابن رشد وإعادة الحوار كي نكون مرة أخرى مصدر الإشعاع والقيادة الفكرية قبل أن تفرض علينا, خاصة أن الجدل بيننا قبل 800 عام ليس للقوى الغربية دور فيه.