حرية الوافدين في تغيير صاحب العمل مطلب لمحاربة البطالة

يمنع نظام الإقامة الوافد من تغيير عمله من دون رضا صاحب العمل ونقل ما يعرف بالكفالة. هذا القيد رغم أن له جوانب إيجابية، لكن سلبياته (على المدى البعيد خاصة) أكبر بكثير، ويكفي منها أنه سبب البطالة الأول. قد تقولون كيف؟
أولا: جعل توظيف الوافد مغريا أكثر من توظيف المواطن، إذا تجاهلنا العناصر الأخرى في التوظيف (كالخبرة... إلخ)، فكيف إذا لم نتجاهلها؟ القيد جعل الوافدين (بصفة عامة) أكثر استقرارا في العمل من السعوديين، خاصة في المؤسسات الصغيرة، وهذه ميزة كبرى.
ثانيا: تشديد استقدام مهن بعينها أضعف قدرة شركات كثيرة صغرى وكبرى على التوسع الذي تخطط له، في ظل القيد. شركات تبحث عن عاملين بمواصفات لم يسمح لها بالاستقدام، ولم تجد ضالتها في السعوديين، إما لأنهم يستنكفون عن قبول العمل، خاصة مع زهد الرواتب، أو دون خبرة، وإما يعملون في وظائف برواتب جيدة، وإما لديهم مؤسساتهم الخاصة بهم. النتيجة تعثر تطور الشركات. لو كان مسموحا للوافدين بتغيير العمل، وكانت الشركات مستعدة لدفع أجور أعلى بحيث ينتقل إليها من تراه مناسبا لوظائفها، بغض النظر عن جنسيته، لحلت المشكلة، من دون تحجج بمشكلة استقدام.
ثالثا: يحصل أصحاب مؤسسات على تأشيرات استنادا إلى عقود مقاولات تشييد مساكن لمواطنين في مناطق نائية، وهدف هذه المؤسسات حقيقة ليس تنفيذ العقود، لكن الحصول على عمالة ليكونوا مصدر رزق للمؤسسات بصور أخرى.
لا يمكننا أن نحارب البطالة وأن نوطن الوظائف وفي الوقت نفسه نتعامى عن الميزات النسبية لتوظيف الأيدي العاملة غير السعودية. عندما يدفع الواحد منا دراهم للحصول على سلعة أو خدمة فإننا نسعى إلى الحصول على أعلى منفعة مقابل الدراهم التي ندفعها. لأن الناس تهمهم مصالحهم الذاتية قبل مصالح غيرهم, وهذا سلوك بشري بدهي ينطبق بالتأكيد على التوظيف.
صنعت أنظمة الإقامة والاستقدام الحالية أوضاعا أسهمت في شدة الطلب على الأيدي العاملة غير السعودية, كما أنها أسهمت في تدني نصيب العمل من الناتج المحلي الإجمالي.
أحد أسباب شدة الطلب التكلفة أو السعر بلغة الاستهلاك. بعض الناس يعترض على القول إن أنظمة الاستقدام والإقامة التي تمنع انتقال العامل دون موافقة صاحب العمل تجعل تكلفة الوافد أقل (في الغالب أو العادة) على صاحب العمل، في حال تساوي القدرات والمهارات. أقول لهؤلاء إن التكلفة الاقتصادية للعمل أعلى بكثير من مجرد النظر إلى التكاليف المباشرة (النقدية) التي يتحملها صاحب العمل. هناك عوامل كثيرة تسهم في زيادة تكلفة الإنتاج بصورة مباشرة أو غير مباشرة كالغياب والتأخر والانضباط والانقطاع ومدى سرعة الإنجاز أو جودته والعمل في ظروف صعبة والاستقرار في الوظيفة أي عدم تغيير العمل... إلخ. هذه العوامل تظهر بوضوح أكثر في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
إعطاء الوافد حرية تغيير العمل تزيد من تكلفة الوافد على أصحاب العمل، ما يقلل من جاذبية توظيف الوافدين، خاصة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
إعطاء الوافد حرية تغيير العمل يقلص كثيرا من التوسع في الاستقدام بغرض التكسب الريعي. ويرفع أجور الأيدي العاملة، ما يحفز أبناء الوطن وبناته مع الوقت على العمل في مهن يغلب أو يكاد العمل يكون فيها محصورا على الوافدين في الوقت الحاضر. وعندما أقول مع الوقت فإنني لا أقصد بضع سنوات، إنما عشرات السنين، فنحن نتحدث عن دولة.
التحليل الاقتصادي لسوق العمل يبين أنه يجب أن يرتكز توطين الوظائف في القطاع الخاص (خاصة في المنشآت الصغيرة والمتوسطة) على حلول هيكلية طويلة الأمد (أعني أخذا في الاعتبار عشرات السنين)، ترتكز على نظام أجور يستند في المقام الأول إلى السوق. وهذا يعني تقليص الفجوة (مع الوقت) بين الأيدي العاملة الوطنية وغير الوطنية في الحقوق والواجبات المتعلقة بالعمل، وأهمها حرية الانتقال من عمل إلى عمل المسماة في تحليل اقتصاد العملlabor mobility.
وهذه عناوين مقترحات في إصلاح الوضع.
• الاستقدام عن طريق جهة مسؤولة عن الاستقدام وشؤون الوافدين، ويوقف العمل نهائيا بأسلوب إعطاء تأشيرات مباشرة للمنشآت.
• تحديد عدد كلي للتأشيرات الممنوحة سنويا.
• حرية الوافدين في الانتقال من عمل إلى عمل آخر labor mobility.
• حمل المحال على قفل أبوابها في ساعات مبكرة من الليل.
من المؤكد أن تطبيق الترتيبات السابقة يتطلب مناقشات تفصيلية. والعمل بها سيرفع مستوى الأجور في المملكة، وسيزيد نسبة مساهمتها في الناتج المحلي، وهو أمر مطلوب. وستصحب التطبيق آثار جانبية وتكاليف على المدى المتوسط، لكن كما يقول المثل ''مكره أخاك لا بطل''. علينا الاختيار بين اثنين: تحمل هذه التكاليف والمضار على المدى المتوسط أو بطالة متزايدة باستمرار. ولا ننسى أن سكان المملكة سيصبحون بعد عشرات السنين أضعاف العدد الحالي. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي