غازي القصيبي .. ويبقى المثال!
اختزال الحديث عن الراحل الدكتور غازي القصيبي فيما أتقنه من فنون الإدارة والأدب والسياسة, وما أنجزه من مشاريع, يفوت الفرصة في فهم الدرس الذي أرادنا أن نفهمه وعمل من أجله طوال حياته في العمل العام. لا تثريب على أولئك الذين وقفوا مبهورين بشخصيته الجذابة وحسه المرهف وقدرته على التعبير وحضوره الدائم وسرعة بديهته وقدرته على الإبداع. كتاباته، محاضراته، نقاشاته، أطروحاته, وأفكاره كانت تحرك المياه الراكدة وتستثير فينا التفكير حد الاستفزاز لأنها تأخذنا على حين غرة, تفقدنا توازننا لتخرجنا من منطقة المألوف وتقودنا للاستكشاف والتطلع للأفضل, والأهم إدراك أن هناك أكثر من طريقة لعمل الأشياء. أفكاره كانت مفزعة للكثيرين, خاصة أولئك الذين يغطون في سبات عميق, يغمضون أعينهم ظنا منهم أن ما لا يرونه غير موجود! لم يستطيعوا استيعاب ما يقول للوهلة الأولى, لأنهم يمقتون التغيير ويأنسون لمنطقة الراحة وإبقاء الأمور على ما هي عليه, إما لجهل وإما لخوف وإما لتفكير جماعي مسيطر وتشبث بنفوذ لمنفعة فئة بعينها على حساب المصلحة العامة.
لقد كان لديه قناعة بأن التغيير ضرورة حتمية لا مناص منها, وتقع في صلب عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية. أدرك أن الحقيقة الثابتة الوحيدة في العالم هي التغير، ولذا كان منهجه المبادرة في التغيير بدلا من الوقوف موقف المتفرج والاكتفاء بردود أفعال آنية عاطفية سرعان ما تثور ثم تخبو ومن ثم تقع الفأس بالرأس لتستغرقنا إدارة الأزمات، فما أن ننتهي من أزمة إلا وتبدأ أخرى! لقد كان مشروعه التغيير للأفضل بخطط وبرامج واقعية تنفع الناس, كل الناس دون استثناء، لأنه رأى بعقليته المستنيرة وحبه لوطنه أن مجتمعنا يمتلك الإمكانات والقدرات على تحقيق الأفضل. لم يكن ذلك حديثا من أحاديث المساء أو كلاما للاستهلاك الإعلامي، بل عمل تطبيقي ظل يجاهد من أجله طوال حياته العامة وفي كل موقع وعلى جميع الأصعدة. هذه المبادرات الشجاعة ظل يتحدانا فيها تارة ويدفعنا نحوها تارة أخرى، إنها نظرة شجاعة في أن تبتغي التغيير في ثقافة تحارب التغيير لترمي بجميع الأوصاف وتصنف من هذا الفريق أو ذاك. لم يلتفتوا إلى القول, بل إلى القائل ليكون همهم النفاذ إلى ما في قلبه وأن يبحثوا فيما لا يعلمه إلا الله بأحكام مسبقة ونقد معياره ما ألفوه من ظاهر السلوك وسمت الهيئة وأسلوب الحديث.
لم يدخل في شراك اللعبة السياسية من أجل الانتصار لتيار على حساب تيار, أو النقاش من أجل النقاش, لكن كان موضوعيا يرى أن الإصلاح يأتي من الداخل من داخل الذات وفي إطار الثوابت الوطنية ليكون مقنعا وواقعيا ومفيدا. لذا كان حريصا على الاتزان في الطرح حتى ظنه البعض تطرفا وانحيازا. هذه هي المعادلة التي أجادها, والسر وراء تألقة في أنه لا يسفه آراء الآخرين ولا يقلل من قدرهم, لكنه في الوقت ذاته لا ينجر إلى أسلوبهم العاطفي في التفكير الذي يقف سدا منيعا في التعلم والتعرف على ما يدور حولنا. في كل مرة يتناول قضية وطنية يقدم فيها البراهين والأدلة والأرقام, إنه حديث الحقائق الذي ينفر منه البعض ويرونه تقليلا من شأنهم لأنه لا يضع قدسية للمكانة ولا هيبة للوجاهة, إنما قول الحق. لقد ناقش وطرح قضايا اجتماعية كثيرة كانت تعد من المحظورات وحكرا على فئة اجتماعية معينة، فأحدث انقلابا في التفكير الجماعي ليتحول الناس إلى الاهتمام بالشأن العام ولتكون محور أحاديثهم ونقاشاتهم في مجالسهم. فمشاريعه وسياساته وإدارته وأشعاره وحكاياته كانت محل إعجاب الجميع, فقد كانت تعبر عن طموحاتهم وتجسد أحلامهم، وتقول ما لم يكونوا يستطيعون قوله أو التعبير عنه! أسلوبه في التغيير عملي تطبيقي مخطط، لتتداخل النظرية مع التطبيق بانسجام تام, فلا أفكار تشطح بعيدا عن الواقع ولا عمل عشوائي دون أهداف ونظرة مستقبلية. فمشروع ''سابك'' العملاق لم يكن مجرد صناعة بتروكيماويات يضعنا على خريطة المنافسة العالمية وحسب, إنما أسلوب جديد في التنمية الاقتصادية بالاعتماد على الصناعة التحويلية ويفتح آفاقا جديدة، وكأني بـ ''سابك'' تعكس تفكيره الإبداعي والتجديدي في تقديم ما لم يكن مألوفا! ليضعنا مرة أخرى أمام تحديات كبيرة تتجاوز نطاق تفكيرنا وما اعتدناه. ومن ثم يتحول إلى تطوير بيروقراطيات مثقلة بثقافة عمل القليل وإجراءات ورقية مطولة ظللنا أمدا طويلا نعاني تردي خدماتها ليحدث انقلابا إداريا, وقفنا جميعا مندهشين غير مصدقين والأسئلة تدور في أذهاننا كيف استطاع أن يفعل ذلك؟ وفي وقت قياسي! وما زالت هذه الأسئلة حاضرة حتى الآن!
غازي القصيبي ـــ رحمه الله ـــ كان مُعلما، نعم يا سادة! كان يريد أن يعلمنا طريقة جديدة في التفكير، كان يرسم خريطة الطريق التي توصلنا إلى مستويات أعلى من التحضر الاجتماعي والتقدم الصناعي. في كل عمل إداري أو أدبي كان يبعث بالرسالة ذاتها التي تقول بالإرادة والعزيمة نستطيع أن نتغير للأفضل. أراد أن يزرع فينا الواقعية والإحساس بالحياة وأن نكون مبادرين مستعدين لقيادة الأحداث والتأثير الإيجابي فيما حولنا. كان يودنا ألا نستكين وألا نهدأ مثلما كان. لقد علمنا أهم عنصر في النجاح أن تعطي بلا حدود وأن تعمل من أجل الناس. وكما كان يقول: اللهم اجعل طموحي في خدمة الناس ولا تجعل الناس في خدمة طموحي! يرحمك الله فقد أديت الأمانة وأسست لخلق الإدارة العامة، اللهم ارحمه وأسكنه فسيح جنانك أمين.