التكلفة والعائد في خطة التنمية التاسعة

بلغت التكاليف التقديرية لتنفيذ خطة التنمية التاسعة نحو 1.4 تريليون ريال, وهي تزيد على ما رصد لخطة التنمية الثامنة بنسبة تصل إلى 67 في المائة.
وأهمية هذه الخطة تكمن في أنها تمثل الحلقة الثانية في إطار الاستراتيجية التي تمتد حتى عام 2025, التي نراهن على أنها ستضع المملكة جنباً إلى جنب في مصاف الدول المتقدمة أو الناشئة.
وهذا يعني أن خطة التنمية التاسعة تستهدف ــ كما جاء في الخطة ــ تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وتطويره إلى اقتصاد المعرفة, وتحقيق التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة, وتستهدف الخطة كذلك نشر الرفاهية الاجتماعية وتعزيز دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة, كما تهدف الخطة إلى رفع مستوى دخل الفرد السعودي من 46.2 ألف ريال عام 2009 إلى ما يقرب من 53.2 ألف ريال في نهاية سنواتها الخمس في عام 2014, كذلك تهدف الخطة إلى تنمية الموارد البشرية وتوسيع الخيارات المتاحة أمام المواطنين في اكتساب المعارف والمهارات والخبرات, وكذلك رفع مستوى معيشة الإنسان السعودي وتحسين نوعية الحياة لجميع المواطنين, كما تستهدف الخطة تنويع القاعدة الاقتصادية أفقياً ورأسياً, وتوسيع الطاقات الاستيعابية والإنتاجية للاقتصاد الوطني, وتعزيز قدرته التنافسية وتعظيم العائد من ميزاته النسبية, كما تستهدف خطة التنمية التاسعة مواصلة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والمؤسسي, وكذلك المضي قدماً في تطوير الأنظمة ذات العلاقة برفع الكفاية وتحسين الأداء والعمل على ترسيخ مبدأ الشفافية والمساءلة والنزاهة.
وإذا استطاعت القوى الاقتصادية والسياسية الوطنية أن تحقق هذه الأهداف, أو النسبة الأكبر من هذه الأهداف, فإن المملكة ستبلغ حدود الدول المتقدمة مع تباشير عام 2025, وعندئذ ستخرج المملكة من صفوف ما يسمى ''الدول النامية'' وتصطف في صفوف ''الدول المتقدمة'' أو ''الدول الناشئة'' على أقل تقدير.
ولذلك فإن خطة التنمية التاسعة تضع وزارة الاقتصاد والتخطيط أمام اختبار صعب, إذ إن الفشل ــ لا سمح الله ــ في تحقيق الأهداف, وهو شيء لا مبرر له, يضع الحكومة في موقف المتقاعس عن أداء واجبها.
وإذا حدث التقاعس ولم تتحقق الأهداف, فإن المملكة لن تصل إلى حدود الدول المتقدمة, وإذا لم تصل المملكة الآن بإمكاناتها الزاخرة فإنه يصعب أن تتاح أمامها فرص مماثلة في المستقبل.
ولذلك فإنني أقول إن وزارة الاقتصاد والتخطيط أمام اختبار صعب, وواجب الوزارة ألا تكتفي بإعداد الخطة ثم طبعها في مجلدات وتوزيعها هنا أو هناك مثل منشورات وكتب العلاقات العامة, إذ إن هذه الوزارة يجب أن تتابع تنفيذ مشاريع الخطة بآليات جديدة تجعل التنفيذ خيارا حتميا لكل المؤسسات الحكومية والخاصة.
ويجب ألا تقبل الوزارة من أي مؤسسة حكومية أو خاصة عدم تنفيذ ما يخصها من البرامج والمشاريع, بل يجب أن تتصدى الوزارة للتقاعس في أي موقع وفي أي مكان من الأجهزة الحكومية، فالوزارة يجب أن تنجح في المتابعة، وهو جزء أصيل من عملها ولا يصح أن تتنصل منه وتدعي أنها تصمم الخطط ثم تناولها للجهات المختصة كافة للتنفيذ وبذاك تنتهي وظيفتها.
أقول إن وظيفة المتابعة والمراقبة جزء أصيل في الخطة, ولا توجد خطة لا تتضمن وظيفة المتابعة والمراقبة, وإلاّ فإن مآل الخطط التثاؤب والنوم على أرفف المؤسسات الحكومية.
ونحن إذا استعرضنا التاريخ الاقتصادي لكوريا الجنوبية والصين وماليزيا والبرازيل والهند حتى تركيا .. نجد أنها بالفعل تجاوزت حدود الدول النامية وبلغت حدود الدول الناشئة, وبعضها في طريقها إلى مصاف الدول المتقدمة. والجميل أن هذه الدول حققت الإنجازات المبهرة بتكاليف أقل بكثير من تكاليفنا, فهذه الدول جميعها ليس لديها بترول وليس لديها ذهب, وليس لديها غاز أو فحم أو نحو ذلك من الموارد الطبيعية, لكن ما لديها فقط هو الإنسان, وعن طريق تطوير مهارات الإنسان والارتقاء بإنتاجيته وصلت هذه الدول إلى مصاف الدول الناشئة والمتقدمة.
ولهذا فإنني أقول لا يوجد مبرر واحد يجعلنا نخفق في تحقيق الأهداف الكبرى التي تأخذنا إلى مصاف الدول المتقدمة, لأننا نعيش في كنف حكومة تبذل الغالي والنفيس من أجل أن نصل إلى مرافئ الدول المتقدمة, وإذا حدث تقصير فإنه يحدث بسبب إخفاق المواطن في أداء دوره المهم على طريق تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
والجميل أن لدينا دينا حنيفا وأقوم, وكان المفروض أن نستثمره لبلوغ أعلى مراتب التقدم لا أدنى مستويات الأداء والإنتاجية, لدينا دين حنيف لو أخذنا به لقفز بنا إلى الأوائل في هذا الكون الفسيح, لكننا ـــ مع الأسف ـــ أهملنا ديننا وعدتنا وعتادنا.
من الثابت أن الكثير من مشاريع البنية التحتية في المملكة ـــ مع الأسف الشديد ـــ تبدأ ثم تتوقف ونظل ننفذ ثم نجدد التنفيذ, لكن في النهاية المشاريع لا ترى النور, ونذكر ــ على سبيل المثال ــ أن مشاريع الصرف الصحي ومشاريع الموارد المائية ومشاريع الكهرباء حتى مشاريع التعليم والخدمات الصحية ومشاريع الشباب والرياضة, فإن مستوياتها ما زالت في المربع الأول رغم تنفيذ ثماني خطط تنموية, والمفروض أننا إذا كنا قد نفذنا مشاريع الخطط الثمانية السابقة بالفعل والأمانة, فإن مكاننا كان يجب أن يكون اليوم في مصاف الدول المتقدمة.
ونستطيع أن نقول ببساطة إننا أخذنا وقتاً كافياً (40 عاماً) وأنفقت الدولة بسخاء على كل الخطط السابقة, لكن ـــ مع الأسف ـــ ما زلنا نأمل في أن نكون في عداد الدول المتقدمة في عام 2025 وليس الآن.
الحقيقة المرة أننا أنفقنا أموالاً طائلة وأخذنا وقتاً كافياً, ومع ذلك ما زالت المنظمات الدولية تضعنا مع مجموعة الدول المتخلفة, وفي أحسن الأحوال تضعنا في مصاف الدول النامية.
التكلفة كانت كبيرة, لكن العائد كان متواضعاً, ونرجو أن يكون في ذلك عبرة!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي