«شيزوفرينيا» الرأي!
ما معنى أن يكون للمرء مبدأ؟..
كلمة مبدأ من الفعل بدأ، ومعناها: بداية، ومبدأ الشيء بدايته، قال صاحب القاموس المحيط في مادة بدأ: المبدأ مبدأ الشيء أوله، ومادته التي يتكون منها، كالنواة مبدأ النخل، أو يتركب منها، كالحروف مبدأ الكلام، والجمع مبادئ، ومبادئ العلم، أو الفن، أو الخلق، أو الدستور، أو القانون، قواعده الأساسية التي يقوم عليها، ولا يخرج عنها.
يُقال رجلٌ ذو مبدأ، أي رجل له بداية وأساس، أي لا ينجرف مع التيار، ولا يتحول عن المسار، تحت ترغيب أو ترهيب، لأن لديه أساس «مبدأ» يرتكن عليه، أما إنْ قيل عكس ذلك، فإن هذا يعني أنه متبعٌ لهواه ولا يرتكن إلى منهج أو عقيدة ثابتة.
يَنْطَبقُ ما سبق على القول والفعل والسلوك، إذ يكون الثبات والرسوخ شأن صاحب المبادئ، فلا يتلون ولا يتحول، ولا ينفصل قوله عن فعله، ولا سره عن علانيته، وذلك شأنه في كل أحواله، فرحه وحزنه، غناه وفقره، صحته وسقمه، يقول الحق ويتحري الصدق، ويتنصر لهما على ما دونهما، ويعلن الحقيقة كما هي بلا تجميل ولا تحريف.
في ميدان الكلمة كنموذج، ما هو الحال؟!.
لِيَكُونَ الكلام في نقاط:-
(1) بداية.. الكلمة أخطر من الرصاصة، فقد تهدى أو تضل، وقد تجمع أو تفرق، وقد تثبت أو تزعزع، وقد تبنى أو تهدم، وقد تسعد أو تشقى.. ولا يدرك ذلك إلا عاقلاً، قاد عقله جموح لسانه، وألجمت حكمته شهوة كلامه، فتأمل الكلمة قبل أن تنطلق من شفتيه، أو قبل أن يخطها قلمه، أو قبل أن تومئ بها جوارحه، خشية أن تنطلق كلمة من قوس الغضب، أو من فوهة الغرض، فتقيم للشر سرادقاً يُذبح عند ناصيته أدب الحديث، وحسن المخاطبة.
(2) إنّ الكلمة هي مادة الرأي ووعائه، ونافذته إلى الناس، وشاشة عرضه أمام القراء والنقاد والمتابعين، ولذا وجب أن تترفع عن الغرض، وأن تتجرد من الهوى، بأن لا تكون أداة للتملق والنفاق، ولا سلماً إلى أعتاب الأغنياء والوجهاء، ولا وسيلة لتجريح الأبرياء والشرفاء، ولا منصة لإطلاق الشائعات والترهات.. يجب أن تظل الكلمة مصباح هداية يقود خطى الناس إلى الخير، لا أنْ تكون نار غواية تدفع أقدامهم إلى الضلال والخطيئة.
(3) إنَّ المجتمع يفقد دعامة رئيسة من دعاماته حين تتلون الأقلام بين أنامل أربابها، تحت وطأة المصلحة الذاتية، والغرض الشخصي المحدود، ذلك لأن الناس تُصدق ما يُكتب وتُسلم به، وتتصرف على أساسه، خاصة إن خُطَّ بيمين من أولاه الناس ثقتهم، وحمَّلوه مسؤولية التعبير عن أحلامهم وطموحاتهم، فإذا انحرفت أقلام عن الجادة والموضوعية، وتقمص أصحابها أدوار البهلوان، ترنحت عقول، وانحرفت سلوكيات، وصار الناس أضاداً يتخبطون بغير هدى.
(4) الكُتَّابُ الذين يكتبون من الأبراج العاجية، وينفصمون عن واقع الناس انفصاماً كلياً، ثم يَدَّعون أنهم أعْرَفُ الناس بقضايا المجتمع.. هؤلاء كالطبيب الذي يقرر علاجاً دون فحصٍ للمريض، مستعيناً بالخيال والتخمين، فيقتل حين أراد أن يشفى!.
(5) يحدث أن يعيش الكاتب بشخصيتين متناقضتين، الأولى حين يُمسك بالقلم فيتحدث عن قيم ومبادئ ومُثل، والثانية حين يوضع على المحك ليترجم حروفه إلى أفعال، فتنكشف العورة ويتحول إلى مجرد مسخ من صورة مثالية تشكلت في عقول الناس.. الكاتب حين لا يكون صورة صادقة لكل حرف ينثره قلمه، يَهُز وقار المبادئ أمام قرائه وهو لا يدري.
(6) وأخيراً وليس آخراً، في عصر الصحافة الالكترونية أضحي لقارئ المادة المنشورة فرصة التعليق والمناقشة والنقد، وهو بالقطع إفراز جيد يعطي للأفكار أبعاداً جديدة، لكن الذي يحدث أن يعلق بعض القراء بأكثر باسم مستعار على الموضوع، وبتعليقات متعارضة ومتضاربة، لخلق جو من الثرثرة يستريح إليه البعض، فتضيع فرصة النقاش الجاد، وتتواري معالم الحوار المحترم.. من الصدق أن تكتب تحت اسمك الصحيح، وأن تعبر عن رأيك الذي هو بصمتك، لتكتسب احتراماً لذاتك ورأيك.
ليس أجمل من أن ننظم الأفكار والآراء على إيقاع المبادئ الجميلة.