أين يكمن ضعف العرب والمسلمين؟ (1)
عرجنا في هذا العمود على مواضيع شتى بيد أن أغلبها كانت ذات علاقة بالإسلام حضارة وفكرا وثقافة. والإسلام كفكر ليس ملك أحد. يحق لغير المسلم النهل من ينبوعه الصافي ويحق للعالم غير المسلم التبحر في علومه ولا سيما كتابه المقدس.
والإسلام أكثر الديانات في العالم حضورا. الإسلام ليس أكثر الديانات عددا بل أكثر الديانات التزاما من قبل منتسبيه. واحدة من خصائص الإسلام المهمة هي العلن: المسلم يشهر دينه وممارساته والتزامه أمام الملأ، وهذا ما يجعل الإسلام والمسلمين محط أنظار العالم، ولا سيما المتمدن منه. والعالم المتمدن عبارة غالبا ما تشير في خطاب اليوم إلى أوروبا (ولا سيما الغربية منها) وشمال أمريكا، حيث تقبع ماكينات ووسائل ومؤسسات هائلة غرضها صنع وتصنيع وتسويق وتشويه ومحاربة الأفكار للتأثير في البشر. ومشكلة البشر في عصر اليوم هي أن أتباع أي فكر أو مذهب أو خط سياسي يتعصبون لما لديهم وكأنه الصواب بعينه. فتراهم في صراع مرير مع أنفسهم ومع الآخرين لتثبيت ونشر ما لديهم من أفكار وغالبا ما يؤدي تعصبهم إلى النيل من أفكار الآخرين ومحاربتها بالحرف والصوت والصورة. وإن لم يفحلوا في حرب الأفكار لتغيير الفكر المعارض وتطويعه حسبما يشتهون، يهرعون إلى سلاحهم التكنولوجي المتطور ويجيشون الجيوش لفرض أفكارهم بالقوة. ويرافق التجيش هذا حملة إعلامية هائلة لغرض سوقه وتبريره. وما نشاهده اليوم ليس إلا حربا طاحنة تتصارع فيها الأفكار والأسلحة والجيوش. ولن نجافي الحقيقة إن قلنا إن الغرب المتطور علميا وتكنولوجيا واقتصاديا يرى في المسلمين الضعفاء علميا وتكنولوجيا واقتصاديا خطرا ويستخدم كل الطرق والوسائل التي أشرنا إليها أعلاه لدرء هذا الخطر. ولا يدرك هذه القاعدة إلا قلة من المفكرين – ولي الفخر أن أكون واحدا منهم. هذه القلة ترى في ممارسات الغرب خطرا على الإنسانية وخطرا على الغرب نفسه. هل هناك من يسمع أو يكترث لهذه القلة؟ لنؤجل الجواب عن هذا السؤال المهم إلى مقال قادم.
هذا صراع مرير بين الإسلام والحضارة الغربية. صراع بكل ما للكلمة من معنى. بالطبع هناك الكثير من كتاب وسياسيي المسلمين، ولا سيما العرب منهم، من يلقي باللائمة على المسلمين ومجموعات محددة منهم. قد يكون في هذا بعض الحقيقة إلا أن هؤلاء في ذكرهم لما يعتبرونه سيئات يقترفها بعض العرب والمسلمين يتغاضون عن سيئات أشنع وأبشع يقترفها الغرب في حق العرب والمسلمين.
نحن القلة من الذين ننتقد ممارسات الغرب وسلوكياته تجاه العرب والمسلمين ليس غرضنا على الإطلاق إذكاء النعرات والصراعات. كأكاديميين ومختصين غرضنا الوحيد جعل الغرب يفهم نفسه وينزل من برج الكبرياء العاجي المزيف الذي اخترعه لنفسه ويعترف أنه المسبب الأول للمشكلات التي تعانيها البشرية ويقع اللوم عليه في الحروب التي شنها ويشنها، وأن الكارثة الوحيدة التي حلت به وكان وراءها نفر من العرب والمسلمين والتي ندينها أشد إدانة – ألا وهي هجمات 11 من أيلول (سبتمبر) على الولايات المتحدة – جرى توظيفها بشكل بربري وهمجي عاناه ملايين الأبرياء من العرب والمسلمين ممن لا ناقة ولا جمل لهم بمتنفذيها، حيث بتنا اليوم نتحدث عن آلاف من مآس بمستوى يفوق 11 من أيلول (سبتمبر) كان ضحيتها العرب والمسلمين. أما عن مأساة فلسطين والتي يوفر الوقود لإشعالها الغرب نفسه فحدث ولا حرج.
لم نكن نصل إلى هذا الوضع لو فهم العرب والمسلمون ووعوا ما يحاك لهم في كواليس الغرب. ولم نكن نصل إلى هذا الوضع لو فهم العرب والمسلمون أنفسهم أولا ومن ثم أدركوا كيف يتصرف الغرب. هناك قصور في فهم العرب والمسلمين لدورهم ومكانتهم في خضم التطورات الهائلة في هذا العصر. العصر هذا عصر التكتلات والمصالح. الغرب متكتل ويعرف مصلحته أشد المعرفة ويدرك خصمه ونقاط ضعفه وقوته كل الإدراك. العرب والمسلمون ومؤسساتهم ودولهم منطوية على الذات ومشتتة الأهداف والمصالح. لا يعرف أحد بالضبط ما يود أن يصل إليه قطر واحد في هذا الصراع المرير. وكي أكون منصفا لا يعلم أصحاب القرار من السياسيين في الصف الأول الأهداف الحقيقية التي يجب الوصول إليها. وقد لا يعترف بعضهم أن هناك صراعا من أجل الوجود. ويؤسفني القول إن الوضع الحالي للعرب والمسلمين يشبه ساحة معركة فيها عدد لا يحصى من الجنود وكل واحد منهم شاهر سيفه ولكن لا يعرفون ما الهدف ولا الوجهة ولا يعرفون من العدو. أي جيش في وضع كهذا لا يستطيع الدخول في المعركة وإن دخلها يبدأ الجنود قتل بعضهم بعضا بدلا من قتل العدو.
وإلى اللقاء،،،