رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الزكاة والتجار ومراجعو الحسابات .. شهود الزور (2)

في المقال السابق أسهبت كثيرا في شرح الفعل الاقتصادي للزكاة وتأثيره في الأسعار، ذلك أن الأسعار صارت مشكلة اقتصادية لدينا الآن. البعض رأى في ذلك الإسهاب خللا، وجئت من باب طويل صعب كي أقول أنفقوا الزكاة. لكنني لم أقصد التشجيع على دفع الزكاة بل على ضرورة الحزم والقوة في جبايتها من قبل الدولة. على أهمية تجنيد الطاقات من أجل ذلك، وفي ذلك التجنيد حل لمشكلة البطالة والسعودة. ومع ذلك تبقى مشكلة المؤسسات الاقتصادية الضخمة التي تستثمر المليارات في أصول متعددة ومتنوعة تعقدت معها طريقة احتساب وعاء الزكاة. وأصبح الأمر يحتاج إلى خبراء متخصصين وتدريب عالي المستوى لمحصلي الزكاة. هذا التدريب هو من الحزم والقوة التي أقصد.
من المعروف أن وعاء الزكاة يشمل رأس المال المستثمر وكذلك الأرباح، ومع أن الأمر ليس بهذه البساطة، فإنك تذهل من حجم الأموال المستثمرة في بلاد المسلمين وحجم الأرباح التي تدرها لتسأل: كيف لم تصنع الزكاة منا مجتمعا غنيا بلا فقراء؟ مجتمع اقتصادي منتج ومكتف ذاتيا. إن مرورك بشارع من شوارع مدننا الصغير ناهيك عن الكبيرة منها يجعلك تسأل: هل فعلا تجبى الزكاة من كل هؤلاء؟ تسأل: ماذا تفعل مصلحة الزكاة وأين الخلل؟ كيف يتهرب كل هؤلاء من الزكاة ؟ كيف لا نقف بحزم مع هؤلاء وهي الزكاة التي حارب عليها أبو بكر ـــ رضي الله عنه؟ نحن نقيم الدنيا لأمور فيها خلافات فقهية ومذهبية ليست من عرى الدين الوثقى ومع ذلك لا نكاد نهتم بهذه الفريضة. كيف استطاعت هيئة الأمر بالمعروف أن تمنع التجار من العمل في أوقات الصلاة وتغلق مكاتبهم ومحالهم بالقوة ـــ والأمر فيه سعة ـــ بينما من يمتنع عن الزكاة أو يتهرب منها يعمل بحرية لسنوات؟ فمن الأولى بإغلاق مكتبه ومحله، عقلا ودينا؟
فالأمر يحتاج إلى حزم لكن الحزم يحتاج إلى نظام، والحقيقة أنه لا يوجد لدينا نظام حديث للزكاة وجبايتها وكل ما لدينا هو نظام قديم جدا وفيه الآلاف من التعديلات ومن التعميمات والقرارات حتى لا تكاد تعرف ما الذي نسخ الآخر وما الذي يجب العمل وفقا له. بل إن موظفي الزكاة يتبارون بينهم ويُعرفُ أفضلهم بقدرته العجيبة جدا على تذكر مواد هذا النظام وتعميماته التي يصل بعضها إلى ما قبل عصر النهضة. هل تصدق أن المرسوم الملكي الخاص بجباية الزكاة صدر عام 1370هـ، وصدرت اللائحة التنفيذية للنظام في العام نفسه (الموافق 1950م) أي قبل أكثر من 60 عاما، أي قبل نشأة الشركات المساهمة السعودية وقبل إنشاء أول بنك سعودي، أو باختصار قبل أن تدب الدماء الاقتصادية الحديثة في عروق الاقتصاد السعودي برمته. تغير كل شيء ولم يتغير نظام الزكاة، فأين الحزم في جبايتها وهي الركن الثاني من أركان الإسلام وعليها نعول اقتصاديا في حل مشكلة الفقر.
من عدم الحزم في جباية الزكاة السماح لتجار ومحالهم التجارية ذات السمعة الكبيرة بتقدير زكاتهم عن طريق الحكم الجزافي من قبل موظف المصلحة (المغلوب على أمره وغير المؤهل تأهيلا متخصصا وغير المدعوم بمتخصصين). فلماذا تقبل المصلحة بالحكم الجزافي لتقدير وعاء التاجر؟ ببساطة لأنه لا توجد لدى التاجر دفاتر محاسبية لتقدير رأسماله وأرباحه. هل تصدق عزيزي القارئ أن هناك محال ''ذهب'' لا تمسك دفاتر محاسبية فيتم التقدير وفقا لتجربة وخبرة الموظف؛ وهنا ينفع التباكي كثيرا وقدرة التاجر على إقناع الموظف بخسارته وأنه لم يحقق أرباحا تذكر من أجل تقليص الوعاء، وبالتالي ما يجب دفعه للمصلحة. فلماذا لا يتم إجبار التاجر على إمساك الدفاتر المحاسبية برغم وجود نظام من وزارة التجارة صارم جدا يوضح الدفاتر الواجب إمساكها. فالمادة الأولى من نظام الدفاتر التجارية تنص على أنه يجب على كل تاجر أن يمسك الدفاتر التجارية التي تستلزمها طبيعة تجارته .. ويجب أن تكون هذه الدفاتر منتظمة وباللغة العربية، ويجب أن يمسك على الأقل (دفتر اليومية الأصلي ـــ دفتر الجرد ـــ الدفتر الأستاذ العام) ويعفى من مسك هذه الدفاتر التاجر الذي لا يزيد رأسماله على 100 ألف ريال. هذا نظام واضح وجلي فهل هو مطبق؟ كم مؤسسة ومحل تجاري يزيد رأسماله على 100 ألف ريال ولا يهتم صاحبه بهذه الدفاتر ولا يلقي لها بالا ومع ذلك فلا يحاسبه ولا يعاتبه أحد وإذا جاءت الزكاة لجأ الموظف للتقدير الجزافي للوعاء وهو في مكتبه لا يكلف نفسه عناء زيارة الموقع ومشاهدة المحل وبضاعته. ولو كان التقدير الجزافي مجحفا أو حتى قريبا من الحقيقية لما رضي به التجار، بل أصروا على تقديم الدفاتر النظامية والالتزام بها، فأين الحزم في تطبيق الأنظمة وأين الحزم في جباية الزكاة بلا دفاتر ولا فواتير ولا مستندات. نحن نرمي موظف المصلحة مكتوفا في بحر التجار والتجارة ونقول له ائتنا بوعاء فيه زكاة والمكلف صادق!
وإذا جئت إلى المؤسسات الكبرى التي يتجاوز رأسمالها المليون ريال والتي يجب عليها تقديم قوائم مالية مدققة من مراجع حسابات فالمشهد أكثر إيلاما. شهود زور بمسمى مراجع حسابات. فالمراجع هو الذي يقوم بتدقيق القوائم المالية التي تعدها المؤسسة المكلفة بالزكاة هذا هو الأصل لكن ما يحدث مخالف لذلك. فبعض شهود الزور أولئك يقومون هم بإعداد عدة قوائم مالية منها ما هو للزكاة والدخل ومنها ما هو للملاك ومنها هو للبنوك ويقومون بإعداد الإقرارات التي تضمن للمؤسسة التهرب من الزكاة متجاهلين أنهم يتعاملون مع فرض إسلامي كالصلاة. بل إن بعض المؤسسات تُعَين مراجعين اثنين في بعض الأحيان أحدهما للزكاة والآخر للغير، ذلك أن الزكاة تقبل باسم أي مراجع كان وأي توقيع مهما يكن، بينما مؤسسات الإقراض والبنوك بصفة خاصة لا تقبل إلا مراجعين لهم كفاءة والتزام وجودة. وبرغم عدم تمحيص المصلحة في أسماء المراجعين وفي مدى تورطهم في قضايا تزوير القوائم فإنها لا تقدم لموظفيها التدريب الكافي على المعايير المحاسبية الحديثة والتغيرات التي تطرأ عليها، وكذلك الأساليب الجديدة من التلاعب بالأرباح وتعديل القوائم المالية برغم كثرة المؤتمرات والندوات والدورات التدريبية في هذا الجانب. فكأنما جباية الزكاة من الشركات يصدق عليها القول ''حشف وسوء كيله''. بل إن موظفي المصلحة ـــ بالمصادفة أحيانا ـــ يكتشفون التلاعب في القوائم المالية ومع ذلك فلا يوجد تنسيق ـــ على حد علمي ـــ بين المصلحة وهيئة المحاسبين لمعاقبة شهود الزور أولئك. فالتاجر يريد أن يتهرب والمراجع يساعده على ذلك ـــ إلا من رحم الله ـــ وموظف المصلحة غير مؤهل وغير مدرب، فكيف رضينا بهكذا مشهد في زمن تتطور الدول وتتقدم بقدر ما تتطور نظمها الضريبية، بل لقد تم نقد اليونان كثيرا بسبب فساد نظامها الضريبي والذي كان أحد أسباب أزمتها الاقتصادية، (وقالت عنها ألمانيا إنه سوء إدارة الأموال)، هذا في الضريبة فكيف نهمل ونحن نتعامل مع ركن من أركان الإسلام الخمسة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي