هل قرأتم رسالة الموت؟!
ما من يوم ينشق فجره، أو يأتي ليله، إلا ويقضى واحداً منا نحبه ثم نشيعه في مشهد مهيب إلى قبره، حيث المستقر والمنتهى، إذ لا عودة ولا مهرب، فالطريق صوب القبر طريق ذهاب دون عودة، وكل الناس- مسيرين - سوف يمضون فيه ولا يبدو لهم من ذلك فكاك، فمع الموت تعجز كل الحيل، وتفشل كل المحاولات، فالموت أقوى من الحياة، ولذلك يصرعها في كل الأحياء من أول جولة عندما يُؤذن له بذلك.
* ومع كل محمول على الأعناق إلى مثواه الأخير تسقط رسالة - ذات دلالات بليغة - على رؤوس الأحياء.. رسالة بلا حروف تُقرأ، لكنها تحمل أبلغ المواعظ.. وبلا صوت يُسمع، لكنها أنفذ من كل الأصوات.. لعل الناس يسترجعون الوعي من دوامة جذبتهم إلى هوة سحيقة من الأوهام، فيتصرفون وكأنهم مخلدون، رغم أن الموت قادم إلى كل حي لا محالة، ربما يأتي الآن أو يأتي بعد الآن، لكنه سيأتي، ولن يمنعه عن المرء لا حصن منيع ولا برج مشيد، وربما يكون ذلك أول سطر في رسالة الموت.
* سطرٌ آخر في رسالة الموت، نعيه ريثما نتبع اليوم جنازة صبى صغير، وغداً نتبع جنازة شيخ كبير، أو نتبع اليوم جنازة شاب قوى، وغداً نتبع جنازة رجل سقيم، أو نتبع اليوم جنازة رجل غنى، ونتبع غداً جنازة رجل فقير.. وهكذا، فما هي الدلالة التي تنسكب في قلب الواحد منا عندما يرمق ذلك؟، لا يكاد الأمر يمر مرور الكرام على كل ذي لب، إذ يلقى مشهد الموت في روعه أحد حقائقه الدامغة وهى أنه لا يفرق بين صغير أو كبير، ولا يفرق بين غنى أو فقير، ولا يفرق بين عظيم أو حقير، ولا يفرق بين صحيح أو سقيم، فالكل أمامه سواء.
* كذلك فقد ثبت يقيناً لدى الأحياء أن الموت لا يطرق باب أحد منهم كي يستأذنه في قبض روحه، أو يرسل إليه إشارة يخبره فيها بموعد قدومه، ذلك لم يحدث ولن يحدث، لأن الموت يأتي بغتة وبلا سابق إنذار، وعلى أي هيئة وفى أي مكان أو زمان، وربما تكون هذه إحدى الحكم وراء إبهام ميعاد الموت، حتى يظل المرء دائماً متيقظاً مستعداً، فلا يشط عن الخط المستقيم، وكذلك حتى لا تتوقف حركته على الأرض خوفاً أو ترقباً، ومن ثم يتوقف ترس في آله الحياة عن العمل، فتتوقف بتوقفه تروس أخرى عن الحركة، وبالتالي تتعطل آلية ممارسة الخلافة في الأرض.
* وهنا تجدر الإشارة إلى لفتة في غاية الأهمية، وهى أن الإيمان بالموت ليس مدعاة لإهمال الحياة والزهد فيها، وإنما هو قوة إيجابية هائلة تدفع إلى الحركة والإنتاج في مدى زمني قد يزيد أو ينقص، ولا أرى تجسيداً للمعنى أكثر من الحكمة القائلة: ( اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً )، فما بين أمل في الحياة به ينشط المرء فكراً وحركة لينتج ويبتكر ويحقق ذاته، وما بين يقين جازم بالموت به يؤدى المرء عمله بضمير ويقظة وإتقان، بين هذا وذاك تَعْمُر الحياة، ومن ثم يكون الإيمان بالموت - على عكس ما يُشاع - قوة هائلة تدفع إلى البناء والتعمير، لأن المرء يموت وتبقى مآثره.
* إن من المعلوم أن الإنسان قد خُلق من تراب، ومع مشهد الموت المخيف حيث يعود المرء إلى التراب مرة أخرى، تأتى التذكرة فتتواضع نفوس تكبرت في ما بين بداية ونهاية، لأنها قرأت بعين البصيرة هذه المفردة المؤثرة، فتوقن أن جميع البشر بكل أطيافهم وألوانهم ودرجاتهم قد تساووا بداية ونهاية، من التراب وإليه، فتعود النفس إلى رشدها إذا ما غرَّها منصب أو جاه أو مال، وتعلم بلسان الحال أن ذلك سوف يزول وينمحي، وسوف تسقط عن النفس كل وجاهة أو سيادة إلا وجاهة التقوى والعمل الصالح، ويخرج المرء من الدنيا عرياناً كما دخلها لا يستره إلا بعض أمتار من قماش تُعد آخر حظ له من الدنيا.
* درس آخر يلقنه مشهد الموت للقلوب اليائسة والنفوس الساخطة على حالها، فالمرء – غالباً - لا يرضى لحاله ولا يقنع بقدره، ويبدو دائماً قلقاً مضطرباً من غنى غيره، ومن نجاح غيره، ومن منصب غيره، وذاك كله نقص في الإيمان، لأن الذي قسم الأرزاق وقدر الأقدار هو الله، فإذا ما جاء مشهد الموت ورأى اليائس ضيق القبر، وظلمة القبر، و وحشة القبر، وقسوة القبر، فقد يرضيه ذلك عن حاله وقدره، وقد يرجع إلى حالة الرضا والقناعة، مع سعيه الدءوب إلى تطوير حياته إلى الأفضل بلا صراع أو ضجر.
بقيت كلمة..إنَّ من لا يخشع قلبه، أو تدمع عينه، أو يقشعر جسده من مشهد الموت، فلا خير يُرجى من وراءه، ولا واعظ في الأرض يكفيه.. اللهم ارحم جميع موتي المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك.