ركن مجتمعي مهم: الصناديق العائلية

في السنوات الماضية برزت ظاهرة تأسيس صناديق عائلية في أنحاء المملكة كافة بغرض الدعم والتواصل بين أفراد العائلة الممتدة والكبيرة. قامت هذه الصناديق من دوافع ذاتية ومسؤولية اجتماعية بعد ما تعرض له المجتمع من بعض إفرازات حالة التمدن التي باعدت بين أفراد العائلة الواحدة. هذه الإفرازات التمدنية أدت إلى انقسامات طبقية ومهنية وحتى جغرافية بحكم الهجرة إلى المدينة من ناحية وسعي الكثير إلى ملاحقة الوظائف في أنحاء البلاد كافة وحتى خارجها أحيانا. انتقال المجتمع من الحالة القبلية والريفية والمدينة الصغيرة وما يتبعها من حالة المساواة إلى مجتمع أكثر تعقيدا أفقيا ورأسيا ومصحوبا بتباطؤ بعض المؤسسات الحكومية في دورها جعل لهذه الصناديق دورا مهما. جوهر ما تقوم به هذه الصناديق هو تجميع مبالغ صغيرة دوريا من أفراد العائلة واستثمارها وتوزيع البعض إلى أغراض مختلفة، إما مساعدات مالية أو عينية مباشرة للمحتاج أو مناسبات اجتماعية مشتركة مثل المساعدة في الزواج أو تعليمية. إذاً هذه صناديق واضحة الأهداف وعمل خيري اجتماعي بحت، لكنها مع هذه لا تزال فاقدة للرعاية الرسمية من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية ومؤسسة النقد.
تحتاج هذه الصناديق إلى رعاية رسمية لإعطائها الشخصية الاعتبارية ممثلة في الصيغة النظامية اللازمة للاستدامة والنمو. واقع هذه المؤسسات اليوم غير رسمي في الغالب مما يسبب ضبابية في عملها بما في ذلك قدرتها على فتح حسابات مصرفية باسم هذه المؤسسات. لوزارة الشؤون الاجتماعية دور في متابعة ورعاية المؤسسات غير الحكومية لكي تكون روافد مجتمعية داعمة للجهود الحكومية في المضمار الاجتماعي. لا يمكن للمؤسسات الحكومية أن تقوم بكل هذه الأدوار دون دعم من المؤسسات الخيرية غير الهادفة للربح. هناك مؤسسات خيرية كبيرة ومؤثرة، لكن الصناديق العائلية تقوم بجهود معروفة لأناس قد تصلهم المؤسسات الخيرية أو الحكومية.
لا أعرف أسباب عزوف الوزارة، لعله بسبب أنها تنادي بالتطور في الرعاية الاجتماعية بمعناها العام المقبول دوليا، وأن هذه الصناديق لا ترتقي إلى هذا الدور، وأنها جزء من حقبة عشائرية انتهت، أرى أن هذا تفكير قاصر لا يتماشى مع الواقع اجتماعيا أو ما تقوم به هذه الصناديق خدميا. لعل هذه الصناديق مثال طيب على مركزية المؤسسات غير الحكومية وتأخر الوزارة في بعض مسؤولياتها، لكن حان الوقت أن تقوم الوزارة سريعا بإعداد الصيغة القانونية، لكن هذا سيأخذ وقتا طويلا، فالأحرى بالوزارة أن تطلب من مؤسسة النقد تكليف المصارف بفتح حسابات جارية واستثمارية معتمدة تحت شروط ميسرة حتى تتكمل الصيغة النظامية. وقد يكون حلا وسطا أن تكون هذه الحسابات في ذمة أعضاء مجلس الإدارة.
في دول كثيرة تسعى الوزارات ذات العلاقة إلى دعم هذه المؤسسات، بل قيادتها وحث أفراد المجتمع على الانخراط فيها بالمال والجهد، بينما نجد الوزارة لدينا لم تستجب حتى للطلب القائم والمعتبر، بل لعلها بعيدة عن نبض المجتمع. في مجتمع في أغلبيته عشائري ستبقى العائلة بتعريفها الواسع مؤسسة مهمة وكفيلة أن تكون ركيزة أساسية لحماية المجتمع. انخراط هذه المؤسسات تحت المظلة الرسمية يعطيها ويعطي البلاد عامة درجة أخرى من الحماية والتحصين. لكل مجتمع خصائص تناسب المرحلة، ولا بد لنا من التكيف لحين العبور إلى حقبة أخرى.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي