شباب البطالة!
«ما جدوى أن تكون عبقريا طالما أنك لا تستطيع أن تستخدم عبقريتك كحجة لبطالتك»
جيرالد بارزان كاتب ومؤلف أمريكي
إذا كان انهيار المصارف والمؤسسات الكبرى والصغرى مثل الوجه ''البطولي'' للأزمة الاقتصادية العالمية، فإن انتشار البطالة بأنواعها ــ وهي كثيرة ــ يُمثل وجها بطوليا للأزمة الاجتماعية ــ المعيشية ــ الإنسانية، التي وُلدت ــ ولا تزال تتوالد ــ من الأزمة الكبرى. والمفجع أن مصيبة البطالة، عبارة عن مجموعة من المصائب، بدأت بتسريح الموظفين والعمال بأعداد تاريخية هائلة (قسرا وطوعا)، واستمرت في تشغيل الأطفال، وارتفاع عدد الشبان العاطلين الذين لم يدخلوا أصلا سوق العمل، بل تسريح من دخلوا منهم بالفعل إلى هذه السوق، لفترات تحسب بالأشهر لا بالسنوات ولا بالعقود. ماذا كانت النتيجة؟ تعاظم الفقر والجوع والجرائم والضياع الاجتماعي، وتشتيت شمل الأسر، بل انهيارها! ووصل الأمر إلى حد تغير معه مفهوم أن المصائب الكبرى تولِد مصائب صغرى. فما نشهده على الساحة العالمية، أن المصائب الكبرى تأتي بمصائب كبرى، وفي بعض الحالات توِلد مصائب أكبر منها!
وهذا ليس غريبا في عالم هائم بما هو غير مُحتمَل وما هو غير مُتصَور وما هو غير وارد. إنه عالم ''العجائب'' الاقتصادية، التي صدمت الجميع، بما في ذلك أولئك الذين ارتكبوا الأزمة الكبرى، وكانوا يدَعون أنهم يملكون الرؤية التي تُمكِنهم من تفادي الأزمات والمصائب، وأنهم يستطيعون إصلاح الخلل فور وقوعه.. بل تفاديه! وكانت النتيجة، أن الخلل لم يكن سوى كارثة، لا تحدث إلا مرة كل قرن من الزمن، كما قال ''زعيم'' المُدعين الاقتصاديين آلان جرينسبان رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق (البنك المركزي)! والمشكلة، أن المصيبة الكبرى جدا لم تترك مجالا للتحرك الفاعل والسريع أو المناورة الضرورية. بل لم تفسح المجال، حتى لتصور الممكن أو المتاح! سدت كل الطرقات والمنافذ، وأصبح التحرك ــ أي تحرك ــ معها شيئا من العبث، وفي أحسن الأحوال بلا جدوى. ولعل هذه المصيبة الوحيدة في التاريخ، التي لن تزول دون أن تكون للزمن حصة تصل إلى 90 في المائة من الحل! لماذا؟ لأن أدوات الحلول لم تعد صالحة، والصدأ الذي أصابها تجاوز إمكانات إعادة تأهيلها للعمل، إلى جانب أمراض ''الشيخوخة'' الاقتصادية التي ضربت الدول الكبرى في الوقت المناسب, أي أنها لم تُصب بـ''شيخوخة'' مبكرة.
في منتصف ثلاثينيات القرن الـ20، وفي عز الكساد العظيم، كان العالم أكثر واقعية وحكمة، عندما وضع كارثتين لا ثالث لهما على رأس أولوياته. البطالة والتهديد بنشوب الحرب. وفي العقد الأول من القرن الـ21، وبعد انفجار أزمة عدها العاقلون أعظم من الكساد العظيم، لم تمثل البطالة سوى قضية خطيرة جدا، لكن لتنزوي خلف القضايا الأخرى في الوقت الراهن!
البطالة الجديدة، هي تلك التي تعم أوساط الشباب، وتقطع الطرق أمامهم للحصول حتى على وظائف غير مستدامة، أو على طريقة ''عمال التراحيل''. هذا النوع من البطالة، أوجد جيلا ضائعا ومحبَطا على مستوى العالم. وطبقا لآخر دراسة أصدرتها منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة، فإن العالم يعج بأكثر من 81 مليون عاطل عن العمل، تراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة. وهذه النسبة ضمن هذه الشريحة، هي الأعلى على الإطلاق في تاريخ العمالة! والواقع، أنه في الأشهر القليلة التي سبقت الأزمة العالمية عام 2007 (وإن انفجرت عام 2008) بلغت النسبة الكلية للبطالة في العالم 11.9 في المائة، وارتفعت حتى نهاية عام 2009 إلى 13 في المائة، ومن المتوقع أن تستقر عند نهاية عام 2010 في حدود 13.1 في المائة. وعلى الرغم من بعض التوقعات بأن تنخفض البطالة إلى 12.7 في المائة في عام 2011، إلا أن المؤشرات كلها تدل على عكس ذلك, خصوصا في ظل تعافٍ اقتصادي عالمي منكمش أو نمو هش.
ومنذ منتصف عام 2007 أُضيف 7.8 مليون عاطل، إلى ''عديد'' العاطلين الشباب، وأُضيف معهم همٌ، لا يقل فداحة عن الهموم الكبرى. وعلينا أن نتخيل صورة أداء الاقتصاد العالمي، عندما يكون هذا العدد الهائل من مُحركي التنمية الاقتصادية، بلا عمل، وبلا مؤشرات على إمكانية انخراطهم في المستقبل في السوق! ماذا يحدث في المقابل؟ تقوم الدول الكبرى (وفي مرحلة لاحقة الصغرى)، بسن قوانين لرفع سن التقاعد، ليس من أجل الحفاظ على مشاعر العاملين الكبار، وإبقائهم في مواقعهم أطول فترة ممكنة، كي يشعروا بأنهم لا يزالون قادرين على العطاء، بل من أجل توفير الأموال، كي تستطيع المؤسسات والشركات التي نالت منها الأزمة، تعويض خسائرها وتسديد فواتيرها الإنقاذية. ولهذا السبب (إضافة إلى أسباب أخرى لا تقل ضررا)، فإن الأبواب تغلق أمام طالبي العمل من الشباب، على الرغم من أنهم يطرقونها بكل ما يملكون من قوة. ويرى خوان سومافيا المدير العام لمنظمة العمل الدولية، أن التخلي (أو لجم) طاقات الشباب ''يسبب خسارة اقتصادية قد تخل باستقرار المجتمع''.
وهذا صحيح إلى أبعد الحدود، خصوصا في الدول الناشئة، التي تشكل شرائح الشباب فيها قرابة 90 في المائة من عدد سكانها. لكن لتخفيف المرارة في أوساط الشباب الذين يعيشون في الدول الفقيرة والناشئة، أظهرت الأرقام أن ارتفاع نسبة البطالة عند الشباب في الدول الصناعية، ولا سيما في وسط أوروبا، بلغ 45 في المائة، في حين بلغ في الولايات المتحدة 18 في المائة. لكن لا عزاء للعرب, فالجهات الرسمية العربية تُقدر عدد العاطلين الشباب في حدود 25.7 في المائة، وهي النسبة الأكبر على مستوى العالم، وأعلى من المتوسط العالمي بنسبة 77.8 في المائة، إلا أن واقع الحال يطرح نسبة أكبر منها (بعض الجهات تقدر نسبة العاطلين من الشباب العرب بـ50 في المائة).
إذن.. المصيبة عامة، كعموم الأزمة الاقتصادية العالمية، مع فارق كبير، هو أن التشريعات في الدول الصناعية، تمنح العاطلين (شبابا وكبارا)، كرامة ليست متوافرة لشعوب الدول الفقيرة. ومن المشكلات أيضا، أن توافر العمل لا يتيح حياة كريمة للعاملين الشباب, فعلى سبيل المثال فشل عام 2008 ما يقرب من 152 مليون شاب (أي ما يوازي 28 في المائة من هذه الشرائح) في الخروج من حالة الفقر، رغم أنهم يعملون، وذلك لأن ما يكسبه الفرد الواحد منهم لا يزيد على 1.25 دولار أمريكي في اليوم الواحد, أي أن هذا الدخل ليس كافيا إلا لشراء الرغيف، ولا بأس من بعض الملح معه!
هذه الحقائق، تطرح سؤالا طبيعيا مُلحا.. ما الحل؟ الحل المنطقي ببساطة، هو قيام الحكومات بتنفيذ برامج لدعم توظيف هذه الشريحة في مجتمعاتها, وهنا تظهر المعضلة, هذه الحكومات تقوم في الواقع بخفض موازناتها من أجل تسديد ديونها الهائلة، وإعادة شيء من الاستقرار لاقتصادات بلادها. فلا أموال موجودة، ولا مشاريع متوافرة، ولا أمل في المستقبل المنظور، يمكن التمسك به. وإذا قلنا إن الاستثمارات الخارجية تسهم في عمليات التوظيف، فإننا نصطدم بشح أموال الجهات الخارجية.
الشيء المؤكد هو أنه ليس أمام هؤلاء, الذين يُفترض أنهم عماد التنمية الاقتصادية، سوى التضرع إلى الله.