رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


اليوم الجنوب.. وغداً جنوب الجنوب وهكذا دواليك!

يتميز السودان بأراض شاسعة وخصبة وغزيرة المياه، ولذلك فإن العرب يلقبون السودان بأنه سلة خبز العرب، وتعلق الدول العربية آمالاً كبيرة على السودان في قضية الأمن الغذائي العربي.
وحينما اجتاحت الأزمة الغذائية العالم في عام 2007 ذهب عدد من رجال الأعمال العرب إلى السودان للاستنجاد بأراضيه الشاسعة والخصبة.
وكانت السعودية من أوائل الدول التي قفزت إلى السودان وقام عبد الله زينل وزير تجارتها بزيارة رسمية إلى السودان وأجرى مع نظيره السوداني محادثات ناجحة حول إمكانية استثمار الرساميل السعودية في الأراضي السودانية، وفعلاً توصل الجانب السعودي والجانب السوداني إلى اتفاقيات أثمرت عن نتائج جيدة في مجال الاستزراع السعودي في الأراضي السودانية، وتستقبل السعودية في هذه الأيام بعض المحاصيل التي تمت زراعتها في الأراضي السودانية قبل سنتين والتي تعتبر ثمرة ناجحة لتلك الاتفاقيات، ولكن لا شك أن الاستثمارات العربية والأجنبية تتهددها الحروب التي تشتعل في مناطق مختلفة من أراضي السودان، أهمها الحروب الأهلية في دارفور والجنوب، ونعرف جميعاً أن الحروب الأهلية هي المعرقل الرئيس لتدفق الاستثمارات الأجنبية في جميع دول العالم.
دعونا نعترف بأن قضية جنوب السودان هي القضية الأخطر في المنطقة، إذ إن الجنوب مرشح للانفصال في الاستفتاء على حق تقرير المصير الذي سيجرى في مطلع العام المقبل 2011، وإذا انفصل الجنوب، وهو الاستقراء المرجح، فإن أشياء كثيرة في السودان ستتغير بسبب تغيير الجغرافيا والتاريخ معاً.
ومعنى ذلك أن إفرازات الانفصال ستؤثر بالتأكيد في الاستثمارات الأجنبية، إذ إن الموارد المائية المتاحة لن تكون متاحة بل ستكون محل تجاذبات سياسية وخلافات قد تعصف بكل المشاريع الزراعية التي تم التوصل إليها مع الخرطوم.
والأخطر من ذلك أن الجنوب نفسه محل أطماع كثير من القوى الأجنبية التي تتربص بالجنوب ولا تضمر خيراً للجنوب، إضافة إلى أن الخلافات القبلية والعرقية والمذهبية تجتاح الجنوب وتطالب بانفصال الجنوب من الجنوب، بل حتى الجنوب الأخير يطمح إلى الانفصال من جنوب الجنوب المنفصل، وهكذا فإن القبائل المتناحرة في جنوب السودان تسعى كل واحدة منها إلى إنشاء دولة مستقلة باسمها.
ولا أدرى لماذا يعانى عالمنا العربي مرضا مدمرا اسمه ''الجنوب'' فكل الدول العربية تقريباً تعانى مرضا اسمه ''الجنوب'' فمثلاً في مصر يتعرض الجنوب لأزمة مع السودان على مثلث حلايب وشلاتين، وفي الكويت غزا العراق الكويت بسبب الخلاف على الجنوب، أمّا في لبنان فإن الجنوب هو بؤرة الحروب المتفجرة مع إسرائيل، وكان آخرها حرب إسرائيل مع حزب الله في عام 2006، كذلك عانى المغرب من قضية البوليساريو التي أفرزت الخلاف بين المغرب والجزائر، ومازال المغرب يعانى هذه القضية التي بدأت تتوارثها الأجيال المتعاقبة جيلاً بعد جيل.
ومعنى هذا الكلام أن مشروع الاستثمارات السعودية خارج الأراضي السعودية تحوم حوله بعض المخاطر، وهذه المخاطر أفرزت - في الساحة السعودية - رأياً يعارض الاستثمار في الزراعة خارج أراضى المملكة، ويتحجج هذا الرأي بقوله إن زراعة القمح محلياً ـ على سبيل المثال - تساعد على تحقيق الأمن الغذائي وتدعم الأسباب المؤدية إلى بناء اقتصاد وطني قوي، وتسهم في التوطين الديمغرافي وحماية المدن من الهجرات الداخلية التي شوهت برامج التوازن الاقتصادي في المدن السعودية، إضافة إلى أن الاستصلاح الزراعي داخل المملكة يوفر فرص عمل واسعة للشباب الذي تتهدده البطالة والعطالة.
وإذا كان شح المياه هو الذي يجبرنا على الذهاب بعيداً عن أراضينا المقدسة، فإن افتقارنا إلى مراكز الأبحاث الجيدة كان ومازال وراء اتخاذ قرارات غير دقيقة وتنقصها المعلومات، بمعنى كان المفروض أن تكون بين أيدينا دراسات عميقة تلفت نظرنا إلى المخاطر من الاستثمار الزراعي في الخارج، بل كان الأحرى أن تكون لدينا دراسة عن تكلفة تحلية المياه في ظل تكنولوجيا التحلية الجديدة التي يقال إنها انخفضت كثيراً عن ذي قبل، كما كان المفروض أن تكون لدينا دراسات توضح لنا تكاليف وإمكانات الاستفادة من مياه السيول، وكذلك دراسات وافية عن موارد المياه الجوفية، بل ما زلنا نجهل احتياطياتنا من الموارد المائية التي أصبحت من أهم مقومات اقتصادنا الوطني.
إذا توافرت كل هذه الدراسات وبشكل موضوعي عميق، فإننا سنتخذ قرارات رشيدة بتوطين الاستثمارات في الموارد المائية في الداخل بدلاً من تعريض استثماراتنا لخطر الحروب الأهلية المشتعلة هنا أو هناك. ولا ننسى أن هناك مقولة شعبية يتناولها السعوديون وتقول إن المملكة تنام على نهر كبير من المياه في منطقة الربع الخالي، ولكن للأسف فإن هذا العنوان المفرح يبدو كالأساطير الشعبية لأنه يحتاج إلى أن تتولاه مراكز الأبحاث وتصدر بصدده دراسات موضوعية شفافة تساعدنا على اتخاذ قرارات رشيدة إزاء قضية المياه التي لم تعد قضية عابرة بل أضحت قضية وطنية ومصيرية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي