رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


رمضان والماعون: قراءة في الشهر المبارك

يطل علينا شهر رمضان المبارك. هذا شهر ليس مثل غيره من الشهور. رمضان أصبح اليوم محط أنظار البشرية من أقصاها إلى أقصاها. أغلبية المسلمين يلتزمون بما أتى في النص المقدس حوله وغير المسلمين يقفون منبهرين كيف يكون لنص عمره أكثر من 1400 سنة كل هذا التأثير، لاسيما بعد أن غادر معظم المسيحيين صومهم الأربعيني لاسيما الكاثوليك منهم. وقبل الدخول في صلب الموضوع أدعو الله العلي القدير أن يمن على الصائمين من قرائي الأعزاء باليمن والبركة وأن يتقبل منهم طلباتهم وأدعيتهم، وأخص بالذكر زملائي في جريدتنا الغراء «الاقتصادية». وفي الوقت نفسه أرجو أن يسمحوا لي كي أقرأ هذا الحدث الإيماني المهيب من خلال ما ورد في أربع سور من الذكر الحكيم: الماعون، الفجر، المدثر، الحاقة.
والقراءة التي سأقدمها يجب أن ينظر إليها كواحدة من القراءات الممكنة. قد تختلف عن القراءات الأخرى لأنها تستند على النص المقدس فقط. وقراءة أي نص يجب أن تبدأ بكاتبها أو قائله ومن ثم متلقيه. وهنا لا خلاف في الرأي. النص رباني ومتلقيه رسول اصطفاه الله لهذا الغرض. وزمان ومكان النص معروفان. وأسباب النزول وردت في كتب التفاسير. هنا لنا وقفة. لا يجب، من وجهة نظري المتواضعة، منح هالة القداسة لأسباب النزول. الأسباب شأنها شأن التفاسير، تتغير من زمان إلى زمان ومكان إلى مكان. كيف يكون ذلك؟ الأسباب التي دعت إلى النزول آنية ومكانية، أما النص المقدس فأزلي. ولهذا نقول إن النص المقدس يوائم الزمان والمكان والأسباب أيضا والتي قد تتغير. السؤال المهم الآخر الذي تتطلب أية قراءة إجابته يتعلق بسبب اختيار هذه السورة أو هذه الآية وليس غيرها. في رأيي السور الأربع لها ما يجمعها وكأنها نص واحد متقارب في الشكل والمحتوى والأسلوب والحبكة بغض النظر عن قصر أو طول بعضها. غرضها متقارب جدا وتخاطب بصورة مباشرة متلقيها في هذا الزمان ولا سيما في الشهر الفضيل هذا. وهناك سؤال مهم آخر أيضا له علاقة جوهرية بالحياة المادية والحسية للمتلقي. بمعنى آخر تحدد السور الأربع كيف يجب على المتلقي المؤمن أن يتصرف تجاه ماله وتجاه أخيه الإنسان وماذا سيحدث له إن لم يفعل ذلك.
السور الأربع تنذرنا بالويل والثبور إن لم نفعل ما يأمرنا الله به. لاحظ الآيات المخيفة: «الحاقة»، «سوط عذاب»، «وجيء يومئذ بجهنم»، «بريح صرصر عاتية»، «وقعت الواقعة»، «فإذا نفخ في الصور»، «فإذا نقر في الناقور»، «يوم عسير»، «وما أدراك ما سقر»، «أصحاب النار»، «فويل للمصلين» ... الله لا يحتاج أن يقسم كي نعلم أن سبحانه سينفذ قوله، مع ذلك يقسم أمام نبيه عدة مرات: «والليل إذ أدبر»، «والصبح إذا أسفر»، «كلا والقمر»، «والفجر»، «والشفع»، «والوتر» ... لماذا يقسم الله بالموجودات الكونية؟ يفعل ذلك لأنه خالقنا ويعرف طبيعتنا البشرية والطريقة التي نتبعها في حياتنا كي ننصت لما يقوله الآخرون أو نأخذ كلامهم على محمل الجد.
الذي يقرأ الإنذار والقسم من قبل خالق الكون يصاب بالهلع والخشية. ولكن ما يهمنا قبل كل شيء هو لماذا يلجأ الله إلى استخدام عبارات لو سقطت على جبل أو صخر لشقته نصفين؟ الجواب واضح في السور الأربع وضوح الشمس ويرد في السور الأربع بصيغة تكاد تكون متشابهة لغويا وذات معنى واحد يدور حول أمرين مهمين جدا ألا وهما الإيمان بالله والرفق بالمسكين واليتيم: «ولا يحض على طعام المسكين»، ولا تحاضون على طعام المسكين، «ولم نك نطعم المسكين»، «ويمنعون الماعون».
والسؤال الآن هو ربط النص المقدس بزماننا ومكاننا وأسبابنا. واحدة من الطرق العلمية لقراءة النص هي إجراء مقاربة ومقارنة من خلال إثارة أكبر عدد من الأسئلة حوله. وهاكم - قرائي الأعزاء - بعض الأسئلة التي تراودني. هل يجوز لنا أن ننفق بإسراف على أكلنا وشربنا في هذا الشهر وننسى المسكين؟ هل يجوز أن نستخدم ثروتنا لنقل سياراتنا الفارهة بالطائرات إلى عواصم دول غربية مع حاشية كبيرة كي نصوم رمضاننا هناك؟ هل يجوز أن نحرج إسلامنا وأنفسنا بتصرفات غير مقبولة في هذا الشهر؟ هل يجوز أن ننسى الأيتام والأرامل والمساكين في فلسطين أو العراق أو أفغانستان أو أي بلد مسلم آخر يئن تحت وطأة الغزو أو الاحتلال أو الحرب أو الفقر؟ هل يجوز أن ننسى المجاهدين بحياتهم دفاعا عن المقدسات والبلدان والشعوب؟ وهل بإمكان شيخ أو داعية إصدار فتاوى استنادا إلى السور الأربع يدين فيها تقاعس أغنياء المسلمين رغم أنف السلطة التي يعيش في كنفها؟
وسورة الماعون خير ما نختتم به مقال اليوم: «أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراؤون، ويمنعون الماعون».
ورمضان مبارك وإلى اللقاء

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي