رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الزكاة والتجار ومراجعو الحسابات .. الزكاة حل لارتفاع الأسعار (1)

كل عام وأنتم بخير، كل عام وهذه الأرض الطيبة تتمتع بالخير والمسرات وتعاقب مواسم الخير. كل عام ونحن ننعم بالأمن والأمان ونتذكر قوله تعالى «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ», وقوله تعالى «أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون». نعمة الأمن والأمان, ونعمة الرزق من كل الثمرات التي تجبى لهذه الأرض من كل بلاد الدنيا, أمر يستحق الشكر كلما عادنا هذا الشهر الكريم. ولكن! بالشكر والإيمان وتمام الإسلام تدوم النعم. يعاني المواطن اليوم ارتفاع الأسعار الذي يعود إلى عدة أمور بعضها مبرر اقتصاديا والبعض لا يمكن تبريره إلا بالجشع والاستغلال. من الطبيعة الاقتصادية أن ترتفع الأسعار ما دمنا نحافظ على سعر صرف ثابت مع الدولار بينما بقية الدول المصدرة لنا تحتفظ بسعر معوم, فكلما هبط الدولار ارتفعت قيم العملات الأخرى, وبالتالي ترتفع أسعار التبادلات التجارية وترتفع الأسعار. الأمر الاقتصادي الآخر يعود إلى ما قدمته الحكومة من دعم للمواطنين بزيادة الرواتب من جهة وبدل الغلاء بعد ذلك, فقد ارتفعت القدرة الشرائية للناس, بينما لم ترتفع القدرة التنافسية في السوق, فزاد الطلب بكميات تجاوزت العرض, فزادت الأسعار تباعا. ومع ذلك فإن هذه التغيرات لا تبرر أبدا الارتفاعات الهائلة في الأسعار في كل جوانب الحياة من جهة، وفي تفاوت الأسعار بين التجار والمدن, بل الأسواق داخل المدينة الواحدة، تفاوت يتجاوز المئات من الريالات أحيانا.
القضية معقدة إذاً والحل ليس بسيطا كذلك. اقتصاديا، الحل في مقولة «دع السوق تعمل», وهذا صحيح, لكنه في ظل نظم رأسمالية صحيحة أيضا, نظم عادلة تضمن التنافس المشروع وتحد من الاحتكارات, بل تحاربها بقوة ولا تضع عوائق قانونية لدخول المستثمرين الجدد. «دع السوق تعمل» تضمن بقاء الأجدر بالمنافسة، فكلما ارتفعت الأسعار شجعت المستثمرين على الدخول إلى السوق لكسب العوائد الكبيرة, وبذلك يزيد العرض فتبدأ الأسعار بتعديل نفسها ذاتيا مع كل دخول للجديد, الذي يسعى طبيعيا إلى الحصول على حصة جيدة من السوق بتقديم منتجات وأسعار منافسة، وتستمر العملية حتى يتكدس العرض وتنخفض الأسعار بشدة, وتبدأ العملية بالعكس مع خروج التجار من السوق. أما في ظل الاحتكارات والوكالات الاحتكارية, وفي ظل البيروقراطية العقيمة التي تحد من دخول مستثمرين جدد وصناعة جيل جديد من التجار، فإن مقولة «دع السوق تعمل» تعد غير واقعية، فنحن لم ندع السوق تعمل على الحقيقية, بل نتدخل في عملها بشروط بيروقراطية وإجراءات طويلة, أو من خلال اتفاقيات التجار داخل الأسواق, وعلى المجتمع دفع ثمن ذلك في شكل فرق الأسعار بين السعر العادل وسعر الاحتكار. أي أن المجتمع فعليا يتحمل تكلفة البيروقراطيين وتكلفة الرقابة على التجار, التي تخلت عنها بعض الجهات. ومن واجب جمعية حماية المستهلك رصد كل ذلك والرفع به.
الحل الثاني هو إعادة تلك الأموال التي حصل عليها التجار إلى المجتمع من خلال فرض الضرائب, لكن الضرائب لا تسهم في تخفيض الأسعار, خاصة في ظل النظم البيروقراطية ونظم تعمل ضد السوق الحرة, فالتجار يستطيعون نقل تكلفة الضريبة إلى الأسعار, وبالتالي فإن فرض أية ضريبة ومن أي نوع ـ بشرط عدم ترك السوق تعمل ـ حتما سيرفع الأسعار، فكأننا كمن صب الزيت على النار. فهل أعيتنا الحلول؟ وهل نبقى تحت رحمة هؤلاء التجار في ظل عدم وجود رقابة صارمة (بحجة دع السوق تعمل، ثم عندما نطالب بسوق تعمل على حقيقتها تأتي الوكالات والاتفاقيات الثنائية بين التجار لإفقار الناس, وتأتي النظم البيروقراطية لتعطل عمل السوق فعلا)؟ عند فرض الضرائب ستعود علينا بأسعار أكثر وأكثر.
ومع كل ذلك فإن الحل لم يزل موجودا, لكنه يحتاج إلى أبي بكر الصديق ــ رضي الله عنه ــ وهو يقول «لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدنها إلى رسول الله..», إنها الزكاة التي لا يمكن نقلها إلى الأسعار أبدا .. كيف؟ من المعلوم أن الضريبة مصروف, والمصروف تكلفة, والتكلفة تحدد السعر, فمهما كانت طريقة احتساب الضريبة فإنها تصنف ضمن التكاليف, التي من خلالها نحدد تكلفة كل سلعة ونعرف السعر الذي يجب أن تباع به. على عكس ذلك تأتي الزكاة، فالزكاة تكليف على مال الإنسان لا يجوز له تكليف غيره ولا نقل عبئه إلى الناس, فهي واجب في المال على الإنسان, فلا يجوز احتسابها ضمن المصروفات، فهي ليست عبئا، وبالتالي فلن تحتسب ضمن التكاليف ولن تدخل في سعر السلعة ولن يدفعها المشتري بدلا عن التاجر في نهاية الأمر كما هي في الضريبة. الزكاة توزيع حقيقي للربح وليس صوريا كما هو في الضريبة. فلسفة الضريبة تقوم على توزيع الربح بين الدولة والتاجر بينما في الحقيقية يستطيع التاجر نقلها إلى المستهلك, فهي جباية غير مباشرة من جيب المستهلك النهائي. بينما الزكاة توزيع للربح بين التاجر والمجتمع, والحكومة تأتي كمنظم لهذا التوزيع فقط وتأخذ حقها ـ العاملون عليها.
وبهذا, فمهما ارتفعت الأسعار فإن على التاجر أن يرد إلى المجتمع شيئا من ذلك, وتعاد إلى فقراء المجتمع, وهم أكثر الفئات تضررا من الارتفاع في الأسعار، والغارمين وهم من أثقلتهم الديون حتى أغرقتهم في الهم أو السجون. وهذه العودة بالأموال يجب أن تكون حقيقية وليس مجرد حسنات صغيرة بالكاد تبل الشفاه العطشى, بل يجب أن تكون محاولة حقيقية لانتشال المجتمع من الفقر وخلق فرصه لصناعة تجار ودخول مستثمرين جدد، أسهم في دخولهم التجار أنفسهم, وبالتالي تنويع السوق وانخفاض تدريجي للأسعار, وهذا يحتاج إلى فكر اقتصادي جديد, وليس مجرد ضمان اجتماعي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي