رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تدمير الأسرة.. سبب ولا طب!

في الحكاية.. أن هناك شابا سعوديا يعول أسرة مكونة من زوجة وأطفال أربعة، أحدهم طفل توحدي. ولما ضاقت به السبل في البلاد، قرر أن يفتش خارجها، فهداه السؤال إلى عاصمة عربية.. وفيها حط الرحال. ووجد هناك مكانا يحتوي ابنه الذي ساء حاله.. وتعدى مع الأيام احتمال أن تستقيم حياة الجميع في بيت يجمعهم كأسرة، لأن التوحد لا يترك للطمأنينة فرصة كما أنه لا يترك لتربية الآخرين مكانا وفسحة.
ولما مضى شهر.. استدعى العمل رب الأسرة، فقفل عائدا للبلاد بصحبة أبنائه الثلاثة.. بعد أن ترك زوجته وابنه الرابع في الغربة.. ولم يترك معهم، عزاءً، سوى أمل بالله في التعافي.. وأن ييسر جل وعلا لمّاً لشمل ما كان ليفترق لولا معضلة التوحد. ومضت السنة تلو الأخرى.. ولم تجد الأسرة سبيلا للقاء سوى ما تيسر من شهور الصيف! وها هي الأسرة تمضي عامها الخامس على هذا النحو.. ولكن يبدو أن الوجع يأبى إلا أن يتعدى، فيمعن في تمزيق أحشاء ما بقي من جسد كل أسرة قدر لها المولى أن تتشرف بالتكليف بتنشئة وتربية طفل توحدي.
قررت الأسرة اليوم أن تترك وليدها لوحده في مركز الرعاية هذا، ولن يبقى معه أحد من ذويه.. وربما لن يؤنس وحدته ووجع فقده لكل من يطمئن لهم سوى نافذة حجرته الضيقة في قبو المبنى.. تلك النافذة التي لا تطل إلا على فسحة حائط .. وأدناه شجرة سرو زرعت في سنة قدومه، كان يطيل الوقوف عندها.. والرفرفة.. عندما أتى لأول مرة وهو ابن أعوام خمسة.
ابن العاشرة.. السعودي.. سيبقى هناك لوحده! ولكم أن تتخيلوا حجم أوجاع الأم والأب والإخوة. وجميع هذا الألم مردود لسبب واحد، إنها عنجهيتنا الأدائية التي لا تقبل أن يقال لها: لقد أخطأت زمنا وما زلت تخطئين!
أسوق اليوم بشرى كل من سيسره الاطلاع على قصة كهذه.. أن هناك عشرات القصص في الطريق، لتنضم في وقت وجيز لعشرات القصص التي بدأت ولم تنته أحداثها حتى اللحظة! والفضل كل الفضل لأوراق منسية في أدراج موظفينا الكرام منذ عقود!!
أوراق لا ذنب لها سوى نقلها لـ "طهر" المطالبة باحتواء أوجاع أطفال تعاملنا مع حاجتهم وحقوقهم معاملة "الوزر" .. في وازرة لن يفاخر غيرنا بشرف صنعها من باب التسويف.. عندما تكون قلوبنا خارج أسوار الوجع.. وداخل حصن الدعاء بأن يعين الله.. دون أن نستشرف حقيقة أننا السبب والأداة في وصول العون.. للمستعين!
أتساءل كل صباح.. وأقول: كيف ستتداوى هذه الأسر من مصابها، شتاتها، آلامها.. وتغيير المصير؟
كيف سنستعيد أطفالا كانوا لنا.. قبل أن نقبل عليهم غير هذا.. ونعتقد أننا نعين؟!
تمر السنوات.. وأراقب ما يحدث في سعي أجهزتنا الحكومية لعلاج معضلة التوحد..
فلا أجد من رجع صدى الاستفهام سوى.. الأنين!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي