رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التعسف في استعمال الزواج!

حين تَصرعُ القيمُ المادية القيمَ الروحية في حَلْبةٍ شَكَّلَها واقعٌ اجتماعيٌ هشٌ، فليس عجيباً أن يتمخض هذا الواقع عما يسمى بزواج « المصالح المشتركة »، أو « المنافع المتبادلة »، إذ يتحول الزواج إلى مجرد « صفقة تجارية » تُجرى بين طرفين، الأول: ولي أمر، والثاني: طالب نكاح، حيث يقوم الطرف الثاني بدفع مبلغ مالي للطرف نظير « بضاعة بشرية »، والأفضلية لمن يقدم أعلى سعر!.

أليست الصورة السابقة تعسفاً فجاً، ومصادرة صارخة، لأحق حقوق الأنثى في ديار المسلمين؟!.. أن تتحول الفتاةُ جَبْراً إلى سِلعة في يد وليها، أو إلى مفتاح لكسب ود الوجهاء، أو إلى أداة لنيل رضا الأقرباء، تحت مظلة زواج، هو في الحقيقة عملية بيع وشراء، ألا يُعد ذلك ظلماً بيناً لا يستسيغه ضمير حي؟.. ألا يُعد ذلك استعباداً ورقاً لمن خلقها الله حرة طليقة؟.. أي قانون سماوي أو أرضي يسمح بأن تزف الفتاةُ قهراً إلى من لا ترتضيه زوجاً لها؟.. في عالم البهائم تختار الأنثى زوجها، فأي عالم ذاك الذي تُكره المُكرمة فيه على قبول من لا تريد؟!.

إن حب المال وسُعار المادة أفقد كثيراً من الآباء وأولى الأمر إنسانيتهم وخشيتهم من الله، فزجوا بفتياتهم إلى آتون من التعاسة والغم، في الوقت الذي بحثوا فيه لأنفسهم عن ثراء من مهر كبير يدفعه ثري، غير عابئين بالنتائج الكارثية التي ستنشأ من زواج على هذا النحو، أبسطها حياة التوتر والتنافر والقلق بين شخصين متنافرين، لا تجمعهما مشاعر مشتركة، فيغيبُ السكن عن سماء البيت، وتختفي الرحمة، وتتواري المودة، وبذا تُفتقد الغاية الأسمى من الزواج، قال الله تعالي: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، يُضاف إلى ذلك ما يفرزه ذاك الزواج الخاطئ من أبناءَ مُعقدين نفسياً جراء حالة التصادم المستمرة بين أب وأم لا يتفقا على شيء أبداً، وربما يفضى هذا الجو المُلبد بالمشاكل إلى طلاق وانفصال، فتتشتت أسرة ويضيع أبناء.. لقد كانت البداية خاطئة!.

في رأيي المتواضع، أن فشل كثير من الزيجات في الوقت الراهن، لا يرجع إلى أسباب اقتصادية أو أخلاقية أو صحية فقط، ولكن يرجع كذلك إلى إجبار الفتاة على الزواج من شخص لا ترغب فيه، الأمر الذي يؤدي إلى نهاية محتومة لزواج أُسس على أغراض وأهواء دنيوية رخيصة..
فهلا نزعنا على وجوهنا وقلوبنا قناع المادة الصلف، ثم عدنا إلى تعاليم ديننا الجميلة؟.

فاصلة:

ليكن معلوماً أن الإسلام أعطى البنت أو الثيب حق اختيار شريك حياتها بنصوص صريحة لا تقبل التأويل أو التعطيل، فإن سُئلت البكر فسكتت فذاك رضاها، وإن قالت«لا» فليس لكائن من كان أن يُعنفها على رفضها، أو يُكرهها على ما دونه، إلا أن يكون نقاشاً مبنياً على إيضاح الصورة وتقديم النصيحة، أما الثيب فلا تنكح إلا إذا أفصحت بالرضا والموافقة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏«‏ لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكـح البكر حتى تستأذن، قـالوا يا رسـول الله وكيف إذنها، قال: أن تسكت ».. فإذا حاد المجتمع عن نداء الفطرة السليمة، وعن تعاليم الدين القويمة، ففي أي طريق يسير؟!.

* باحث في علم الإحصاء - مصر

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي