اللؤلؤ.. ودور زوجة الياباني!!
هل يستحق عقد من اللؤلؤ تزين به المرأة جيدها كل هذا العناء وتحمل المخاطر وفقدان الكثير من الشباب بين أمواج البحار.. أعتقد أن ما فعلته زوجة الياباني (ميكوموتو) يعد تكفيرا عن ما اقترفته الكثير من النساء في حق مئات من الرجال الذين صارعوا الأمواج لصيد اللؤلؤ، فعملية استخراج اللؤلؤ واستعماله بدأت منذ أكثر من سبعة آلاف سنة على سواحل الخليج العربي، ويرى الباحثون أنه لم تكن هناك عملية غوص، بل كانت عملية جمع للمحار من على السواحل، وبعدها بسنين طويلة بدأت عملية الغوص؛ بحثا عن محار اللؤلؤ في المناطق الأكثر عمقا.
وورد وصف الغوص في الكثير من الوثائق وأول ما بدأ لاستخراج الإسفنج ومن أجمل تلك الأوصاف ما رواه الشاعر اليوناني (أوبيان) في القرن الثاني بعد الميلاد عن استخدام الزيت في إنارة قاع البحر وتهدئة التموجات، التي استمرت حتى القرن الـ20، يقول:
"يربط الغواص حبلا مشدودا إلى ثقل في وسطه ويملأ فمه بالزيت، وكذلك يضع الزيت في أذنه، ثم يأخذ نفسا عميقا وبعدها يلقي بنفسه في الماء فيشده الثقل إلى أسفل. وعندما يصل للقاع ينفث الغواص الزيت من فمه، فيطفو الزيت للسطح فيهدأ من تموجات السطح ويضيء القاع كالشعلة تضيء الظلام ويسمح للغواص أن يرى حتى في منتصف الليل".
وانتقلت هذه الأفكار للغواصين في الخليج العربي فكانوا إضافة إلى استخدام الزيت في الإضاءة يدهنون به أجسامهم لحمايتها من التشققات وطرد كائنات البحر التي تهرب من رائحة الزيت. إن فكرة استخدام الزيت لإضاءة قاع البحر استمرت حتى القرن الـ20، والأعجب من ذلك نزعهم أسنانهم الأربعة الأمامية (القواطع)؛ اعتقادا منهم أن ذلك يجعلهم يمكثون أكثر تحت الماء.
وقد تتساءلون عن دور زوجة الياباني!! الذي كان يعمل مع أبيه في بيع الأرز المطبوخ، وكان يحب الغوص وصيد اللؤلؤ وفي ذهنه سؤال حيره طويلا عن سبب وجود اللؤلؤ في المحار، ولماذا يوجد في بعض المحارات دون غيرها؟ حتى أجابه عليه صديقه المتخصص في الأحياء عن السبب الحقيقي وراء ذلك، وهو أن تكوُّنه نتيجة دفاع المحارة عن نفسها ضد أي كائن غريب مثل بعض الطحالب أو حبات الرمل فتحيط أي جسم غريب داخلها بطبقات من مادة لؤلؤية، وبذلك تتكون حبة اللؤلؤ (كان يعتقد سابقا أن اللآلئ تتكون من المطر)، ومن هنا بدأت فكرة ميكوموتو بزراعة اللؤلؤ واستمر يحاول 15 عاما حتى اتهمه الناس بالجنون ولم يعودوا يشترون منه حتى الرز المطبوخ، إلا أن زوجته آمنت بقدراته حتى جاء يوم 28 من أيلول (سبتمبر) عام 1895م حين ذهبت إلى الشاطئ سرا وفتحت إحدى القواقع التي زرعها زوجها من سنين وصرخت وجدت اللؤلؤ، ومن يومها أصبح هذا التاريخ يوم إجازة لكل مصانع وشركات ميكوموتو... لكنها لم تكن دائرية واستمر في بحثه حتى وجد السر بأن يزرع الجسم الغريب بين المعدة والكبد، ومن هنا أصبح ملك زراعة اللؤلؤ ومن أثرى الأثرياء في العالم.
وكان إيمان زوجة ميكوموتو بزراعة اللؤلؤ من جهة وظهور النفط من جهة أخرى عاملين مهمين في اندثار حضارة الغوص في الخليج التي كانت العمود الفقري لاقتصاد الخليج، كما كانوا يتغنون نواخذة الخليج قديما (وش لك بالبحر وأهواله، وأرزاق الله على السيف).
وأخيرا تمكن العالم الألماني (وولفجانج كريمل) من صنع حبات اللؤلؤ في المختبر دون محار عن طريق بلورة كربونات الكالسيوم حول ذرة من الذهب قطرها (3 نانومتر) ويأمل العلماء أن تكون بداية لصناعة أسنان وعظام لاستخدامها في أغراض علاجية.