هل انفصلت أسعار الغاز الطبيعي عن النفط؟

في العقود الماضية كان يتم إنتاج الغاز بصورة رئيسة من الغاز المصاحب من حقول النفط في أوروبا وروسيا والشرق الأوسط. في المقابل، الغاز الطبيعي المنتج في الولايات المتحدة كان يتم إنتاج معظمه من حقول الغاز المستقلة. بما أن اقتصاديات إنتاج النفط والغاز كانت متشابهة جدا في هذه المناطق، ارتبط سعر الغاز والنفط ارتباطا وثيقا. لكن الأهم من ذلك، كان الاستخدام المتبادل بين أنواع الوقود المختلفة الرابط الفعلي بين أسعار النفط والغاز لسنوات عديدة. الاستخدام المتبادل بين أنواع الوقود يعني أن نوعين من الوقود يمكن استخدامهما للأغراض نفسها، على سبيل المثال لأغراض التدفئة المنزلية أو توليد الكهرباء. وبالتالي، فإن التشابه في اقتصاديات مرحلة الإنتاج وحقيقة أن منتجات النفط والغاز يمكن تعويض أحدهما بالآخر، أديا إلى وجود ترابط وثيق بين أسعار النفط والغاز.
في هذا الجانب يشير عديد من المحللين إلى أنه لسنوات عديدة، الاستخدام المتبادل بين الغاز الطبيعي وزيت الوقود، جعل من أسعار الغاز الطبيعي مرتبطة ارتباطا وثيقا بأسعار النفط الخام. لكن في الآونة الأخيرة انخفض عدد المرافق القادرة على الاستخدام المتبادل بين الغاز الطبيعي وزيت الوقود، خصوصا في الولايات المتحدة، وأنه بين عام 2002 و2007 كانت أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي في اتجاه تصاعدي مع أسعار النفط الخام، لكن هذه الحركة لأسعار الغاز والنفط كانت مستقلة عن بعضها. حيث يشير محللو أسواق الغاز الطبيعي عموما إلى أن الطقس ومستوى التخزين هما المحركان الرئيسان لأسعار الغاز الطبيعي. بينما يؤكد البعض الآخر أنه عند أخذ هذه العوامل وغيرها في الاعتبار، التحركات في أسعار النفط الخام لها دور بارز أيضا في تشكيل أسعار الغاز الطبيعي.
هذه التحليلات والتوقعات المتعلقة بالغاز الطبيعي انقلبت رأسا على عقب عند حدوث توسع كبير وثورة في إنتاج الغاز الطبيعي من المصادر غير التقليدية، خصوصا بعد عام 2009. التوسع الهائل في احتياطي الغاز الطبيعي من المصادر غير التقليدية المجدية اقتصاديا، خاصة في الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا والصين وأماكن أخرى من العالم، غيّر واقع أسواق الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال في جميع أنحاء العالم تغييرا جذريا. حيث إن وفرة إمدادات الغاز الطبيعي أدت، على ما يبدو، إلى فصل من المرجح أن يكون دائما بين أسعار الغاز الطبيعي وأسعار النفط.
في هذا الصدد تشير إحدى نشرات الطاقة، إذا كان لا يزال هناك شك في أن أسعار الغاز الطبيعي في أمريكا الشمالية قد انفصلت نهائيا عن سعر النفط الخام، فإن التوقعات السنوية للأسعار ستضع هذه المسألة في منظورها الصحيح. حيث تشير النشرة أيضا إلى أنه في أحد التعاملات اليومية تم تداول خام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 84 دولارا للبرميل الواحد وفي اليوم نفسه تم تداول الغاز في سوق هنري بنحو أربعة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، أي بنسبة 21 إلى 1 بين الغاز والنفط. وتشير النشرة أيضا إلى خفض توقعات متوسط أسعار الغاز الطبيعي لعامي 2010 و2011 من خمسة إلى 4.25 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ومن خمسة إلى 4.75 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية على التوالي، ذلك لزيادة إمدادات الغاز في الولايات المتحدة، التي من المتوقع أن تؤدي إلى زيادة طاقة التخزين إلى أربعة تريليونات قدم مكعبة، إلا إذا تم استخدام كميات كبيرة من الغاز محل الفحم في محطات توليد الطاقة الكهربائية. من جهة أخرى، تبدو أسواق النفط العالمية متماسكة، حيث تشير التوقعات نفسها إلى أن متوسط أسعار النفط لعامي 2010 و2011 من المتوقع أن تكون 81 و95 دولارا، أي بنسبة 20 إلى 1 و19 إلى 1 على التوالي، وهذه النسبة بعيدة جدا عن النسبة 6 إلى 1 التي يحددها محتوى الطاقة لكل من النفط والغاز.
النسبة 6 إلى 1 بين أسعار النفط والغاز تدل على أن النفط والغاز الطبيعي يتم تسعيرهما بالضبط على أساس الفرق في محتوى الطاقة لكل منهما. حيث إن برميل من نفط خام غرب تكساس الوسيط يعادل 5.83 مليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز الطبيعي. لذلك من المتوقع أن يكون سعر برميل النفط نحو ست مرات أكبر من سعر الغاز الطبيعي لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، عند سعر للنفط الخام قرب 80 دولارا للبرميل الواحد مثلا. من المتوقع أن يكون سعر الغاز الطبيعي نحو 13.80 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، إذا كان الثمن على أساس محتوى الطاقة. الحقيقة هي أن أسعار الغاز في نيسان (أبريل) 2010 كانت أكثر قليلا من أربعة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ولو ننظر إلى الأمر من منظور أسعار الغاز، فإن الأسعار الحالية أربعة دولار ات تعني سعرا للنفط قرب 24 دولارا للبرميل الواحد. بعبارة أخرى النسبة 6 إلى 1 لسعر الغاز إلى النفط هي حاليا 20 إلى1.
نعم، صحيح أن سعر الغاز الطبيعي في أسواق المملكة المتحدة ارتفع بشكل كبير في الربع الثاني من عام ،010, حيث اقترب سعر الغاز في أسواق المملكة المتحدة من سعر النفط المكافئ على أساس محتوى الطاقة, أي 6 إلى 1، لكن هذا لا يعني عودة ارتباط أسعار الغاز بأسعار النفط على أساس محتوى الطاقة، حيث إن أسعار الغاز في أسواق المملكة المتحدة تعتمد بشكل كبير على حالة العرض والطلب في سوق الغاز هناك.
يعود ارتفاع أسعار الغاز في سوق المملكة المتحدة إلى سببين رئيسين هما: أولا، عمد المستوردون في القارة الأوروبية إلى شراء الغاز من المملكة المتحدة، حيث يعد أرخص مقارنة بالغاز المستورد عبر خطوط الأنابيب من شركتي غازبروم الروسية وشتات أويل النرويجية. حيث ازدادت صادرات الغاز البريطانية إلى أوروبا منذ الأول من أيار (مايو) الماضي بنحو 70 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وذلك لتخزينه لفصل الشتاء المقبل. هذا الطلب الإضافي على الغاز من خارج المملكة المتحدة أدى إلى رفع أسعار الغاز في أسواقها أعلى بكثير من مستويات الأسعار في سوق هنري في الولايات المتحدة. لكن مع امتلاء مرافق التخزين في جميع أنحاء أوروبا وانخفاض الواردات من المملكة المتحدة، قد يدفع الأسعار إلى الانخفاض من جديد في أسواق المملكة المتحدة.
من جانب العرض، هناك بعض العوامل التي أثرت في أسواق وأسعار الغاز. على سبيل المثال، تقوم قطر بتنفيذ عدد من أعمال الصيانة التي أثرت في الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال، هذه الأعمال من المتوقع أن تنتهي في آب (أغسطس). كذلك أنبوب الغاز النرويجي أغلق بسبب الصيانة في حزيران (يونيو)، لكن استؤنف العمل فيه حاليا. هذه العوامل المرتبطة بالعرض وضعت أيضا ضغوطا تصاعدية على أسعار الغاز في أسواق المملكة المتحدة.
لكن مع إنتاج الغاز الطبيعي من المصادر غير التقليدية خارج الولايات المتحدة، أصبح مجديا اقتصاديا. هذه الوفرة في إمدادات الغاز الطبيعي من المرجح أن تستمر، ما قد تؤدي إلى انخفاض أسعار الغاز، ويمكن أن تؤدي أيضا إلى فصل دائم بين الترابط في سعر النفط والغاز في أسواق الغاز الإقليمية الأخرى في العالم.

تنويه: المقال يعبّر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة أن يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي