الانكسار في مواجهة الأسعار!
«المقاومة تعني القدرة على الحياة»..، ومقاومة غول الأسعار يعني قدرة المستهلك على اتخاذ موقف إيجابي حتى لا يكون ألعوبة في سوق البيع والشراء.
رغبة النفس في سلعة ما، لا يجب أن يكون هو المبرر الوحيد الذي يدفع المستهلك بلا تعقل نحو دفع ثمنها إلى التاجر، مع إهمال كافة المحددات التي تحكم عملية الطلب، مثل: الحاجة الفعلية، والسعر، وثمن البديل، وموازنة القدرة الشرائية مع الرغبة في الاستهلاك.. الخ، كي لا يكون الاندفاع الاستهلاكي آلية في يد التاجر لذبح المستهلك بنصل الأسعار، خاصة إن غابت التسعيرة الجبرية الموحدة على مستوي السلع المتماثلة داخل القطر الواحد.
صحيح أن تدخل الجهة الرسمية في سوق البيع والشراء يجعل الميدان أكثر احتراماً، لكن الجهة الرسمية لن تراقب ضمائر تجار يتحينون الفرص ليفرضوا الأمر الواقع على جمهور المستهلكين، في ظل سلبيتهم وضعفهم أمام الارتفاع غير المبرر في الأسعار، بما يضيف إلى جشع التجار قوة وضراوة، و يحولهم إلى الطرف الأقوى في المعادلة، ومن ثم ستتوالى قفزات الأسعار وتتوالى، والمستهلك الأخير هو من سيكتوي بنار الغلاء.
أتصور أن تلجيم الأسعار يبدأ من عند المستهلك إنْ ملك قدراً من الإرادة أمام إغراء السلعة، بمعني أن يكون مستهلكاً عملياً، لا مستهلكاً ترفياً.. بمعني أكثر دقة: أن لا يشترى فعلاً إلا ما يستهلكه فعلاً دون إهدار أو تالف، وهذا بالضبط هو الفارق الحضاري بين مستهلك وآخر.. مستهلك يشتري ليتقوت ويعيش، ومستهلك يشتري ليتباهي ويملأ صناديق وسلال المهملات.. والصنف الثاني هو ما يحدث الخلل في ميزان العرض والطلب، عبر الاستهلاك العشوائي.
إن البنية النفسية والعادات الاجتماعية تمارسان أبلغ الأثر على قرار الشراء لدي المستهلك العربي، يتجسد ذلك في التقليد الاستهلاكي الأعمى، أو في المفاخرة والتباهي، أو إدعاء الجود والكرم.. الخ، وهي أمور لا تمت للاعتدال والوسطية بأي صلة، بل هي تفسر كيف تمكن الإسراف والتبذير من أخلاق الكثيرين، ولعل أبرز مثال يتوج المعني ما يقع من إسراف وبذخ - يصل إلى درجة السفه - في أمور الزواج تجهيزاً وتأثيثاً واحتفالاً، إذ تُراق الآلاف بل الملايين على مظاهر فارغة، ولا تكاد تسمع لذلك تبريراً سوى « لست أقل من فلان »..!.
يجب أن تتوقف العادات الاستهلاكية الدميمة، لتتوقف قفزات الأسعار المجنونة،وذلك لا يتحقق إلى بوعي وتحرك جمعي من قبل المستهلكين في السوق، فإذا أحجموا مجتمعين عن شراء سلعة بالغ التاجر في سعرها، فسوف يضطروه إلى الرجوع عن جشعه وطمعه، والمسألة فقط تحتاج إلى ثقافة وصبر، ليكون للمستهلك رأياً وشخصية في معادلة البيع والشراء.
ولا أجد فرصة أروع من شهر رمضان لنُمَرن النفس على عادات استهلاكية جديدة تتسم بالانضباط والاعتدال، خاصة وأن رمضان هو موسم التجار، فإذا رأوا من المستهلكين تماسكاً في مواجهة أسعار السلع فسوف يفكرون ألف مرة في السعر الذي سيعرضونها به حتى لا تتعرض للبوار، خاصة في سلع المأكل والمشرب.
* باحث في علم الإحصاء - مصر