حينما تخطئ الوزارة
في تجاوب لافت لطلب خادم الحرمين الشريفين لإعادة البعثات بعد ما جرى من تآكل في الطبقة التكنوقراطية، بدأت وزارة التعليم العالي في نظام البعثات وخاصة لطلبة البكالوريوس قبل عدة سنوات. ولكن هذا التجاوب مع رغبة القيادة أتى بمثابة ردة فعل لدى الوزارة، فالاختيار كان في غالبه عشوائيا والجهاز الرقابي غير مستعد، ولذلك أتت النتائج مخيبة للآمال. فرجع البعض واتجه الكثير إلى جامعات وأقسام رديئة، ولذلك ركزت الوزارة أخيرا على بعثات الدراسات العليا على حساب الدراسات الجامعية. ولكن تجربتنا في البعثات وخاصة للدراسات العليا الاجتماعية محدودة الفائدة، فكما يعرف الكثير أن طلاب القانون لا يدرسون للشهادة الرئيسية للقانون JD في أمريكا ثم تساعد الجامعات في ذلك بعدم اعتماد JD كشهادة لتعليم القانون في جامعاتنا، إنه لأمر مريب، وقلما تجد طالبا متخصصا في النظرية الاقتصادية أو السياسية، على سبيل المثال، بل في الغالب في محاولة تحوط إبداعية لتفادي البحث المضني والجاد، وما يزيد الطين بلة أن الكثير بعد سنوات في أمريكا لا يجيدون حتى اللغة الإنجليزية على الرغم من الحصول على درجة دكتوراه في علوم اجتماعية. في ظل هذه الوضعية المترهلة قررت الوزارة انفعاليا إيقاف بعثات البكالوريوس بسبب سوء اختيارها وضعف مراقبتها لتحرم المجتمع والاقتصاد السعودي من تعليم أفضل في أهم مراحل التعليم العمرية. بل إن الوزارة تقبل من يستطيع دفع رسوم سنة أو سنتين ليضم لاحقا للبعثات وحسب درجة الواسطة.
أحد مظاهر إدارة التنمية في المملكة أننا نكافئ من يحمل درجة الدكتوراه والماجستير دون تمحيص في مدى قدراته الأكاديمية، خاصة إذا عرفنا أن الشهادات العليا في الغرب خاصة تعتمد أكثر على الدراسة المستقلة و(البحث) والثقة، فالباحث هو سيد نفسه ويعامل على أنه أعرف بمصلحته بينما الكثير لدينا، في غفلة من الوزارة، يلجأ للشهادة واستغلال جميع المنافذ للحصول على الشهادة لأنه يعرف أن الوزارة لا تفرق كثيرا. فتكدس الكثير في جامعات معينة وتخصصات معينة مريب جدا ويبعث على القلق ويضرب المشروع التنموي في المملكة في قلبه وعقله، ولكن الوزارة في سبات، بل لعل البعض منهم إحدى ثمرات هذه البعثات. ذكر لي أحد المسؤولين في إحدى الوزارات أن طلابهم لا يستطيعون الحصول على قبول في أول خمسين جامعة في تخصصهم في علوم الحاسب الآلي نظرا لتدني مستوى التعليم الجامعي لدينا وعدم استعداد هؤلاء لرفع مستواهم التحصيلي لاحقا.
بدلا من انفعال الوزارة وإيقاف فرصة الابتعاث لمن يستحق ولمن تحتاج إليه البلاد، الأحرى بالوزارة أن تكلف نفسها بالعمل الجاد من خلال المساعدة على تطوير طاقم تكنوقراطي في المملكة، فدور الوزارة ليس إجرائيا فقط. الواضح من تجارب المملكة أن خريجي البكالوريوس من الجامعات والأقسام البارزة هم الرهان الأكثر فائدة على الاقتصاد السعودي، ليس للوزارة حرية النظرة العامة الكلية دون تكليف نفسها التدقيق والتمحيص والمراقبة في التفاصيل ولعلها تبدأ في رفع مستوى المتابعين.
لماذا نحرم البلاد من فرصة تعليمية لمن يستطيع المنافسة بدعوى تجربة سوء اختيار الوزارة؟ ولماذا لم تقدم الوزارة سياسة واضحة في البعثات قابلة للاستمرار؟ ولماذا لم تفكر الوزارة في إدخال امتحان القدرات و''التوفل'' كشروط أساسية لمن أراد الرغبة في الدراسة خارجيا؟ نفشل دائما حينما نتعامل انفعاليا، ونفشل حينما لا نفكر خارج الصندوق، ونفشل حينما نحكم على الجميع بمقياس واحد، ونفشل حينما نكتفي بالنظرة الكلية دون التفاصيل، ونفشل حينما نُعطى المسؤولية والاختيار الاستراتيجي ولا نستطيع إيجاد المعادلة الخاصة بنا. إنها لسياسة غريبة أن نسيء الاختيار ثم نقرر التوقف لنحرم البلاد من فرصة التطور أثناء فرصة تاريخية بتوافر الرغبة لدى القيادة وتوافر المال.