رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الملك الخالد .. طبت فطابت ذكراك .. يرحمك الله

المعرض الوثائقي لسيرة الملك خالد بن عبد العزيز ـ يرحمه الله ــ الذي بدأ في الرياض وحط رحاله في أبها، ومن ثم باقي المناطق السعودية يثير الكثير من الذكريات العطرة والمواقف الخيّرة للملك الصالح الخيّر. لقد أحبه الناس، جميع الناس، دون استثناء، فلا يكاد يجمعك مجلس أو حضور اجتماع ويُذكَر الملك خالد إلا ويترحم عليه وتُذكَر مناقبه وكأنه واحة للحب والأمن والأمان والخلق والقيم الرفيعة يستريح فيها الناس ويستظلون بظلالها. لقد كان ــ يرحمه الله ــ مثالا في الزهد والورع ومحاسبة النفس والحرص على أداء الأمانة. لم يغره بريق السلطة ولم تستهوه الوجاهة ولم ينخدع بزيف الدنيا وبهرجتها. لقد كان يقدم الآخرة على الدنيا وكأنه يمتثل قول الله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ). لقد امتاز بحسه الديني وضميره الحي القوي وثقافته الدينية العالية وحرصه على الالتزام بأحكام الشرع وتطبيقها على نفسه قبل الآخرين. والدلائل على ذلك معروفة وكثيرة؛ فقد كانت على مرأى ومسمع من الناس في جميع أحواله وأفعاله وأقواله. لكن تلك الكلمة التي كتبها الملك الراحل بخط يده ووجدت في جيبه بعد وفاته تقول الكثير عن إخلاصه وفهمه الصحيح في أن الدين المعاملة، وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك وأن تصبر على أذى الآخرين وتجاوزاتهم. فها هي قصاصة الورق استوقفت الكثيرين من زوار المعرض من مواطنين ومقيمين، على الرغم من أن المعرض يضم بين جنابته ما يقارب الـ 500 وثيقة وصورة تاريخية. الورقة كانت مكتوبة بخط يده ــ يرحمه الله ــ ما نصه: ''سأل الإمام أحمد بن حنبل، حاتم الأصم وكان من الحكماء: كيف السبيل إلى السلامة من الناس؟ فأجاب: تعطيهم من مالك ولا تأخذ من مالهم، يؤذونك ولا تؤذيهم، وتقضي مصالحهم ولا تكلفهم بقضاء مصالحك، قال: إنها صعبة يا حاتم قال: وليتك تسلم منهم''. لقد كان رجلا مؤمنا أمينا مسالما أحب الناس وتفانى في خدمتهم فبارك الله في عهده وأنجز الكثير من مقومات المدنية والحضارة التي ما زالت شاهدا ننعم بها ونتفيأ ظلالها.
الملك خالد ــ يرحمه الله ــ هو رائد الطفرة التنموية الأولى ومؤسس دعائمها فقد جرى على يديه الخير العميم حتى سميت التنمية في عهده بالطفرة، أي قفزة كبيرة في الاقتصاد والصناعة لم تشهدها السعودية من قبل، بل مازالت هذه الطفرة التنموية الأولى مرجعا للكثيرين من المتخصصين وخبراء التنمية وحديث العموم وعلامة بارزة في تاريخ العمل التنموي. لقد أحدث هذا العمل الوطني التنموي الجبار نقلة نوعية للمجتمع السعودي تحقق فيها الرفاهية الاجتماعية والتطور الاقتصادي والتقدم التقني والصناعي ومستويات عالية من المعيشة في غضون سبعة أعوام مباركة هي مدة حكمه القصيرة بمدتها الكبيرة بأثرها وتأثيرها. الحديث عن إنجازاته في هذه السطور المعدودة إجحاف بحق المشروع التنموي الذي قاده وأسس له، بل إنه كان بذرة خير لشجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أوكلها كل حين، فما من مشروع تنموي إلا وللطفرة التنموية الأولى التي أحدثها الملك خالد باع طويل وسهم كبير، وكأني بسياساته وخططه ومشاريعه قد هيأت السبيل للسعودية للانطلاق نحو آفاق أرحب من التحضر والتقدم ولتتواصل عطاءات الخير والنماء والازدهار. لقد رفع سقف التوقعات في أن نتطلع كمجتمع للأفضل وأن ننافس الأمم الأخرى وأن نعمل من أجل أن نكون أقوى اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. قد تكون المشاريع الحضارية الحيوية التي أقيمت في عهده حاضرة ومشاهدة وملموسة، لكن العنصر الأهم والتأثير الأكبر لسياسته التنموية، التي ربما كانت خفية لا تدركها الأجيال الحاضرة، كانت في توجهه نحو تنمية الموارد البشرية وبناء الإنسان السعودي، فعهده شهد ابتعاث أفواج كبيرة من الطلاب للدراسة في الخارج، وهم الذين شكلوا عند عودتهم عناصر التطوير والتحديث؛ ولذا فهم امتداد لعهده الميمون. ومع هذا كله فإن السر العظيم وراء حب الناس هو إحساسهم الصادق الذي لا يخالطه شك أنه كان ــ يرحمه الله ــ منهم ومعهم ويعمل من أجلهم بخلقه الرفيع ونواياه الصالحة؛ رجاء ما عند الله، وهذا قمة العقل والرشد، ففي الحديث قال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ ''الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني''.
كان الملك خالد ــ يرحمه الله ــ صادقا مخلصا لدينه وأمته فأحبه الجميع ودخل قلوبهم بصدق القول وإخلاص النية والتواضع الجم وحرصه على ما ينفعهم. لقد أسس ـ يرحمه الله ـ نموذجا وأسلوبا قياديا مميزا ينطلق من القيم الإنسانية والأخلاق الإسلامية ونهج قيادي في أن ممارسة السلطة من أجل جلب منفعة أو دفع ضرر وليس للتحكم والسيطرة. لقد كان ــ يرحمه الله ــ يقود بالتعليم والقدوة الحسنة ليكون التوجيه حيا ومباشرا ومؤثرا وحتى وإن لم يعتلِ المنبر ولم ينمق الخطاب أو يتكلف الحديث. لقد عمل بصمت وتفانٍ وخارج دائرة الضوء، فترك الأعمال تتحدث عنه حتى الآن. لقد كان يحمل قوة خفية هي قوة الإيمان وقوة الحق وقوة العدل وقوة الخلق ليكون القبول والإذعان له من داخل النفس حبا واحتراما وتقديرا لا ذعرا وتوجسا وخيفة. رحمك الله يا أبا بندر فقد زرعت في أنفسنا الزهد مع العمل والثقة مع التواضع والحب مع العدل والحق مع اللين والولاء مع الإخلاص. لقد كنت نعم الملك فلك خالص الدعاء في أن يجزيك الله خير الجزاء ويسكنك فسيح جنانه ويجعلك في عليين. وسنظل نذكرك وندعو لك فأنت ملك خالد في الذاكرة والوجدان.. طبت فطابت ذكراك.. يرحمك الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي