دور المجتمع في حل أزمة الإسكان
مشكلة الإسكان مشكلة مهمة ورئيسة للمجتمع، وما زال المجتمع اليوم يعاني هذه الأزمة، رغم الجهود التي تبذل في هذا المجال، وقضية مثل قضية الإسكان ليس من اليسير حلها في فترة قصيرة، كما أن الشريحة التي لا تمتلك سكنا من المواطنين كبيرة، ومع الأسف ـ تتزايد مع الزمن, خصوصا أن معدل نمو السكان كبير في المجتمع، إضافة إلى أن حجم فئة الشباب في المجتمع كبيرة ويدخل سنويا عدد كبير من الأسر الجديدة, التي لا تمتلك سكنا.
ومثل هذه الأزمة لا يمكن أن نقول إن من يتحملها جهة واحدة سواء القطاع الحكومي أو الخاص أو المواطن، ولا بد أن يشترك الجميع في حل مثل هذه الأزمة، بدلا من أن يقتصر العبء على جهة دون أخرى، وبالتالي سيؤدي إلى أن تستمر هذه الأزمة دون حل.
لعل من المهم أن يكون للمجتمع دور في حل هذه الأزمة, التي يمكن أن نقول إنه أكثر من يكتوي بنارها، ولعله من خلال تجربة عدد من دول العالم نجد أن الوضع يختلف كثيرا, حيث إن نسبة كبيرة من الأسر والأفراد تمتلك مسكنا، وقد يكون الأمر في بعض الأحيان مرتبطا بثقافة المجتمع، والظروف العامة للبيئة والخدمات قد تكون لها دور في اختلاف هذه الثقافة.
ولعله في نقاش مع بعض طلاب جامعة الملك فهد للبترول والمعادن يكاد يجمع هؤلاء الطلاب على أن الأولوية في الاحتياجات في هذه المرحلة من الحياة بالنسبة للشاب هي المنزل والزواج والسيارة، وفي ترتيب لإمكانات الشاب فإن الأيسر هو السيارة ثم الزواج ثم المنزل، ويرى البعض أنه من شبه المستحيل الحصول على المنزل في الظروف الحالية، بسبب غلاء أسعار الأراضي والمنازل والعقارات بشكل عام.
ومن خلال التجربة لدول أخرى متقدمة في العالم تجد أنه في كثير من الأحيان أن الشخص يتمكن من الحصول على المنزل أحيانا قبل الزوجة والسيارة، ولعل الظروف والثقافة لهما دور كبير، وذلك لوجود مثلا البنية التحتية الجيدة, أو يمكن أن نقول الممتازة للنقل العام التي تجعل استخدامه في كثير من الأحوال سواء للوصول إلى مقر العمل أو المدرسة والجامعة والتنقل بين المدن، أيسر من استخدام وسيلة النقل الخاصة, خصوصا في المدن، إضافة إلى سهولة الحصول على تمويل لشراء المنزل بأسعار تقل عن تكلفة الإيجار الشهري.
ومع ما سبق فمن الممكن أن يكون للمجتمع دور في حل هذه الأزمة إذا ما كان لديه رغبة فعلية في حلها، ولعل من الأمور المهمة التي ينبغي أن يعمل عليها المجتمع، منها ما هو على مستوى الثقافة العامة ومنها ما هو على مستوى حلول عملية يمكن لها أن تعالج هذه المشكلة.
من الأمور التي يمكن أن تصنف على مستوى الثقافة العامة للمجتمع، فما زال كثير من المواطنين يصر على أن مفهوم التملك لديه لا يتم إلا من خلال فيلا بمساحة لا تقل عن 400 متر مربع، وبتجهيزات معينة، هي في النهاية مكلفة تجعل من مسألة الحصول على منزل أمرا لا يمكن أن يحققه إلا بعد فترة طويلة جدا، وهذه الثقافة سائدة في مناطق متعددة من المملكة, إلا أنها تقل في بعض المناطق مثل المنطقة الغربية، إذ إن هناك بعض الأسر تتملك الشقق، وتجد من يفضل بناء مجموعة من الشقق ليسكن فيها أعضاء الأسرة بدلا من بناء فيلا واحدة.
تملك الشقة وإن لم يكن طموحا للشخص، إلا أنه يمكن أن يكون مرحلة مؤقتة، تهدف إلى أن يخفض الفرد تكاليف الإيجار ليحصل على عقار، ويمكن أن يتصرف في هذه الشقة مستقبلا ببيع أو تاجير، حيث إن تكلفة القسط الشهري لبعض الشقق مقارب لتكلفة الإيجار، إضافة إلى أن التنقل من شقة إلى أخرى مكلف على الفرد أيضا، وذلك لأنه يتطلب تجهيزات جديدة ونقل الأثاث المتكرر قد يتسبب في تلفه.
وتملك الشقة بالنسبة للشاب من الممكن أن يتم من خلال عدة طرق، فمنها الطريقة السائدة, وهي التمويل من خلال المؤسسات التمويلية بالطرق المتوافقة مع الشريعة مثل المرابحة والإجارة والاستصناع والمشاركة.
والطريقة الأخرى هي أن يكون هناك أشبه بالتجمع من قبل بعض الشباب الذين لديهم ملاءة مالية ربما لا تمكنهم من بناء منزل شخصي لكن لديهم مبلغا ماليا مناسبا للمشاركة في بناء مجموعة من الشقق، وذلك بشراء أرض وبناء عدد من الشقق بحيث يتملك كل واحد منهم شقة مناسبة في مساحاتها واحتياجات كل شخص، ويتم العمل بالدفع بآلية مناسبة يتم الالتزام بها، وهذه المجموعة قد تكون من أسرة واحدة أو مجموعة من الزملاء.
كما أن من الممكن إنشاء مؤسسات تعاونية تشرف عليها الحكومة بمشاركة من أبناء المجتمع، تهدف إلى حل مشكلة الإسكان من خلال فتح المجال لمساهمة أبناء المجتمع لتمكينهم من الحصول على مساكن، من خلال مساعدتهم على إنشاء مساكن منخفضة التكلفة، تناسب إمكاناتهم المالية. ولعل تجربة تبوغ حاجي التي بدأت كمؤسسة تعاونية قبل أكثر من 40 سنة في ماليزيا لمساعدة المجتمع على مصروفات الحج وتكاليفه، تعد تجربة رائدة يمكن أن يستفاد منها في إنشاء مؤسسة تعاونية لحل مشكلة الإسكان في المجتمع.