رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المكسيك واليونان .. درسان من التاريخ (2)

حتى أوائل عام 2009 كان لدى اليونان اقتصاد قوى ومتين، كان معدل النمو يصل إلى 4 في المائة، ويعد بذلك واحدا من أعلى معدلات النمو في منطقة اليورو.
كانت قدرة الحكومة على السيطرة على العجز والدين مطمئنة، حتى إن البيانات الصادرة عن الحكومة اليونانية تؤكد أن العجز في الحدود القصوى التي حددها البنك المركزي الأوربي، وهي البيانات التي شجعت المستثمرين على شراء السندات اليونانية. وباختصار - وكما كانت هي الحال في المكسيك قبل الأزمة - كان كل شيء مطمئنا، وكانت اليونان مزدهرة، لكن بعد سقوط الحكومة اليمينية التي استمرت نحو ثلاث دورات متتالية، جاءت الحكومة الاشتراكية لتظهر ما كان تحت السطح، وتبين أن حجم المديونية الداخلية والخارجية على اليونان يعادل 107 في المائة من حجم الدخل القومي، وأن حجم العجز في الموازنة يتجاوز 11 في المائة، الذي يتجاوز الحد المسموح به بـ 8 في المائة. وكل هذه الأمور كانت مخفية عن المواطنين والعالم، وأسهم في إخفائها عدد من كبار المؤسسات الاستشارية الدولية. صدم الرأي العام ومعه العالم بمدى تدني الأوضاع، وظهرت التظاهرات الشعبية والأحزاب تطالب بمحاسبة من أوصل البلاد إلى الانهيار. طالب جورج باباندريو رئيس الوزراء اليوناني من وزراء حكومته أن يتحركوا بسرعة لخفض عجز الميزانية والدين المتضخمين، وذلك قبل طرق أبواب الأسواق الدولية للحصول على تمويل جديد.
لكن الأسواق المالية بدأت تفقد الثقة في طريقة إدارة اليونان أموالها، علاوة على أن خطط العلاج هذه ليس من السهل تنفيذها ميدانيا، ذلك أن مصروفات الميزانية اليونانية مرتفعة جدا بسبب ارتفاع متوسط الأجور في القطاع العام، الذي هو أعلى منه في القطاع الخاص، كما أن معاشات التقاعد مرتفعة مقارنة بمثيلاتها. لذا فإن أي إصلاح للميزانية يجب أن يمر بهذه البوابة الخطرة، بوابة تخفيض الرواتب ومعاشات التقاعد، وهو الأمر الذي يصعب على أي حكومة يونانية مجابهته. عادة في مثل مشكلة اليونان ـ كما كانت مع المكسيك - كان يتعين عمليا أن تخفض سعر صرف العملة من أجل تخفيض أسعار صادراتها في الأسواق العالمية واستقطاب استثمارات أجنبية مباشرة، لكن في ظل الاتحاد فإن طباعة العملة لم تعد في يد الحكومات، بل في يد الاتحاد، الذي لا يسمح أيضا بتغير سعر الصرف وفقا لاحتياج كل دولة، لذا أصبح يتعين على كل دولة مساعدة نفسها بنفسها من خلال اتباع سياسة توفير صارمة وعودة بالأجور حتى تصل إلى مستوى الإنتاج الفعلي. بهذا لم يعد أمام اليونان إلا إصلاح ميزانيتها لتتناسب مع دخلها أو بحث عن ممولين، لكن الأمرين أَمَران. فقد اندلعت المظاهرات والإضرابات في كل مكان مع إعلان خطة الحكومة للحد من العجز وخفض المصروفات، بينما ارتفعت الفائدة على السندات في منطقة اليورو وطلب المستثمرون عوائد مرتفعة للاحتفاظ بالدين اليوناني حتى اتسع الفارق بين السندات اليونانية والألمانية ذات الاستحقاق عشر سنوات بشكل لافت. بذلك تحول همّ الحكومة اليونانية من خدمة الميزانية إلى خدمة الدين، التي ـ مع ارتفاع الفوائد ـ ستأكل الأخضر واليابس من دخل اليونان القومي، وستفقر الشعب اليوناني بلا شك. لذلك ظهرت أسئلة كبيرة حول أهمية بقاء اليونان في منطقة اليورو طالما أن اليورو سيتسبب في إفقار شعبها، فقد ظهر وكأن مشكلة اليونان الرئيسة انضمامها إلى مجموعة الاتحاد النقدي الأوروبي (اليورو).
وفي ظل هذه التحديات الضخمة جدا ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض، أعلن رئيس الوزراء اليوناني أن اليونان لا تستطيع البقاء تحت رحمة الدائنين. كانت هذه العبارات الغاضبة التي أطلقها الرئيس اليوناني تشبه تلك العبارات التي أطلقها الرئيس المكسيكي، وكلتا العبارتين بدتا كإعلان الإفلاس، وكانتا الشرارة التي أطلقت الأزمة من عقالها. فوفقاً لتقديرات مؤسسة ستاندرد آند بورز، فإنه من المتوقع أن تصل خسارة حاملي السندات الحكومية اليونانية إلى 200 مليار يورو - نحو 265 مليار دولار – في حال تقصير اليونان أو عجزها عن سداد الديون، لتفاقم هذه الأنباء من حجم الأزمة وتضغط على عائد السندات اليونانية لتصل إلى 23 في المائة بدلا عن 4.6 في المائة وتصبح اليونان ـ كما حصل للمكسيك ـ عاجزة تماما عن سداد تلك العوائد وتلك الديون، التي ترجع في المقام الأول إلى صناديق استثمارية أوروبية، الأمر الذي كان ينذر بتوسع الأزمة، وقد ينهار كثير من المؤسسات والبنوك في منطقة اليورو إذا لم تجد اليونان مساعدة عاجلة من أي مصدر كان.
في هذه المرحلة الحرجة لم يكن أمام الاتحاد الأوروبي ـ كما كانت الحال مع الحكومة الأمريكية في أزمة المكسيك ـ سوى التدخل ومد يد العون لليونان وإلا فإن الأزمة ستطول الجميع بلا أدنى شك، وسيبدو اتحاد اليورو اتحادا لإفقار الشعوب وسيفر منه الجميع حتما لينهار الحلم الأوروبي كاملا. وهكذا فإن المساعدات التي قدمها الاتحاد الأوروبي لليونان كتلك التي قدمتها الحكومة الأمريكية للمكسيك، ليست جميعها من باب المساعدات الإنسانية البحتة، بل كانت تهدف في المقام الأول إلى إنقاذ الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي نفسيهما. ومن التحليل البسيط السابق يظهر أن الأزمة الاقتصادية قد تنشأ في أي وقت، وأن الأرقام الجميلة التي تظهرها الإحصاءات الاقتصادية قد تـتـنصل عنا في زمن الأزمة الحقيقية. تبذل الدول الكثير من أجل جذب الاستثمارات الأجنبية ثم تدفع كل احتياطياتها من العملة الأجنبية لتسمح لها بالخروج، وفي كل الحالات فإن الاستثمارات الأجنبية لا تقدم للبلد المستضيف أكثر مما يقدم ذلك البلد لنفسه من خلال الضبط المالي والحد من الهدر ومحاربة الفساد. عند نشوب الأزمة المالية فإن التدخل الحقيقي للمساعدة والإنقاذ لن يأتي إلا إذا كانت الدول المتبرعة بالمساعدة ستخسر كثيرا من بقاء الأزمة. لكن إذا كانت الدول بمعزل عن الأزمة الاقتصادية لأي بلد فإنها حتما ستقف مع النقاد بينما سيترك البلد وشعبه يهوي إلى الحدود القصوى للإفلاس والفقر، ولنا في أزمة إندونيسيا الاقتصادية شاهد، وهي تترك وحيدة تناضل الانهيار الاقتصادي، بينما تهب الولايات المتحدة في الجانب الآخر من العالم لمساعدة المكسيك بكل تلك الثروة الضخمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي