ابتعثوهم .. (سادساً)!
في صيف العام الماضي، كنت قد كتبت مقالاً من جزأين عن أهمية الابتعاث وما توفره الجامعات في الجزء المتقدم من العالم من مزايا نوعية يصعب التغلب عليها محلياً وعربياً. وكانت المقارنة حينها تستند إلى وقائع يلمسها كل من جرب أن يدرس لمرحلتي الماجستير والدكتوراه في جامعاتنا تحديداً.
وينهمك العشرات من السعوديين اليوم وإلى نهاية الأسبوع القادم في التسجيل ضمن المرحلة السادسة لبرنامج خادم الحرمين للابتعاث، ولن أوفق كثيراً في التعبير عن مدى سعادتي باستمرار البرنامج لجميع المراحل. ولمن يهمه معرفة السبب .. لا أحسب أني قادر على الشرح أكثر مما جاء في مقالي العام الماضي!
إلى هنا .. أود أن أذكر كل من سيوفق في الظفر ببعثة إلى تلك الجامعات أن لغة التعليم هناك مغايرة في الجملة والتفاصيل. ولعل الكثيرين منكم يذكرون حادثة طالبة هارفارد السعودية التي اتهمت بالغش بسبب تطابق إجابتها مع نص الكتاب المخصص كمرجع للمادة. ولأن ذاكرة السواد الأعظم منا ذاكرة صورية ناسخة، دأبت على التقييد بالحفظ والتلقين والتسميع، أوّد أن أذكر الجميع أن يحاولوا التخلص من مهارة الحواريين هذه .. فالتعليم هناك لم يعرف الكتاتيب حتى يراهن على اختبار قدرتنا على الحفظ والنقل والإسناد!
أسوق لكم تجربة خضتها بنفسي أثناء الدراسة لمرحلة الماجستير في جامعة سعودية، مقارنة بالدراسة في جامعة بريطانية على سبيل المثال. فقد كنت أشعر بحرج شديد في أغلب المواد التي درستها في الجامعة السعودية عندما غيرت التخصص، وذلك لكونها تعتمد على الحفظ والتلقين .. ومن ثم إعادة بث كل ما تلقنته عبر فصل دراسي كامل في ورقة اختبار من 60 سؤالا مثلاً! ومصدر الحرج هو أنني من أخيب خلق الله في الحفظ، حيث أتلفت دراسة الأدب في مرحلة البكالوريوس مهارة الحفظ عندي، إذ كان أساتذتنا الكبار في هذا القسم يحفزون لدينا مهارة النقد والتفسير وتدوين القراءة الذاتية لنصوص أساطين الأدب الإنجليزي والغربي بشكل عام .. فتاهت مهارة الحفظ .. وحلت مكانها جرأة النقد .. ولذة التذوق والتأويل. تخيلوا أن يدرس طالب تخرج للتو من الثانوية عملاً أدبياً لأديب مثل دانتي مثلاً .. أو نظريات نقد أفلاطونية .. ومن ثم يرصد رأيه ويقارن مجيباً عن أسئلة في اختبار لا علاقة له بالحفظ لا من قريب ولا من بعيد! من هنا انتهت علاقتي بالحفظ .. وبدأت مرحلة جديدة من العلاقة مع كل مكتوب تقريباً! ويشبهها كثيراً، تجربة الدراسة في بريطانيا والتي كانت تحث على تدوين الرأي والتقييم واستحضار التجربة إلى جانب ما تتطلبه الضوابط الأكاديمية من الإسناد بكل تأكيد.
وقبل أن تنتهي المساحة، أتمنى أن يتذكر كل مبتعث ومبتعثة أن مأزق طالبة هارفارد قابل للتكرار كثيراً، وأن ظهور معضلتها على السطح لا يعني أنها الوحيدة، وأعتقد أن هناك الكثيرين والكثيرات غيرها ممن اتهموا بالغش لأنهم قادرون على حفظ أي شيء تقريباً ... حتى لو كان الكتاب دليلاً للهاتف في مدينة بحجم نيويورك! أتمنى أن نتذكر .. ونذكر بعضنا هناك أننا ذاهبون لنقبل .. ونرفض، نحاور .. ونحلل، نقرأ .. وندعم، نستوعب .. ولا نسمّع!!