رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أيها المقاولون .. الهيئة ليست شرطا

يطالب المقاولون بإنشاء هيئة للمقاولين، والأهداف تتركز في رعاية مصالحهم والإسهام في معالجة الضعف الفني، المالي، الإداري، والتقني في أغلبية شركات المقاولات. طلب المقاولين موجه لمن؟ لأنفسهم؟ مستبعد، بل الأقرب (في فهمي) أنه موجه إلى الحكومة. هل الحكومة أنسب منهم أنفسهم لمعالجة مواطن الضعف الفني فيهم، أو هل وجود تلك الهيئة شرط لهذه المعالجة؟ جوابي بالنفي.
دور الحكومة ثانوي، والدور الأكبر عليهم أنفسهم، أما إنشاء هيئة حكومية (أو تحت مظلتها) للمقاولات فلا أتوقع أنه سيعالج مصاعب الأداء كما يتوخى المقاولون، لأن فاقد الشيء لا يعطيه, ولأنه ما حك جلدك مثل ظفرك. كثرت الهيئات، وبعضها ذو أداء متدن.
أغلبية المقاولين يجدون مصاعب شتى خلال عملهم، فهم يعانون الضعف المالي أو الإداري أو التقني، وكثيرون منهم يخرجون من السوق بعد سنوات. عمليات الاندماج بين شركات لم يفكر فيها على نطاق واسع أو تسير ببطء.
لا شك أن معالجة مشكلات المقاولات وتطوير المقاولين من مصلحة البلاد والعباد. إلا أنه ليس من المتوقع أن تنجح الحكومات في معالجة هذه المشكلات، طالما أننا نتكلم عن قطاع خاص يعمل على أسس تجارية. وبعبارة أخرى، إذا لم ينجح القطاع نفسه في معالجتها، فإن الحكومات لن تنجح من باب أولى. الكلام طبعا ليس عن أداء مرتبط بقوانين حكومية، بل عن الأداء نفسه من حيث هو، لدى عدد كبير من مؤسسات وشركات المقاولات.
لجان المقاولين في الغرف التجارية هي المدخل لتطوير القطاع. هذه اللجان ليست متفرغة، ولا تملك الموارد المادية والبشرية الكافية التي يمكن الاعتماد عليها اعتمادا كبيرا في تنفيذ التوصيات الصادرة منها لمعالجة مشكلات القطاع الداخلية.
مفترض أن يهتم المقاولون بتطوير بنية مؤسسية وإجرائية تعمل فيها موارد بشرية عديدة متفرغة لديها خبرات ومهارات عالية في المجالات التي يعاني أكثرية المقاولين ضعفا بينا فيها، من مالية وقانونية وهندسية وإدارية واندماج وتدريب وغيرها. هذه البنية ليست ذات طبيعة تشريعية، وتعمل ضمن الأطر التنظيمية والقانونية المتاحة للجان المقاولات والغرف التجارية، لأغراض شتى:
أولا: لمساعدة لجان المقاولات في الغرف فنيا في أداء أعمالها.
وثانيا: لإدخال تطوير ملموس في أداء شركات ومؤسسات المقاولات وتوفير (سواء بنفسها أو بالاستعانة بالغير) خدمات فنية في المجالات الإدارية والمالية والتقنية.
وثالثا: لمراجعة تأهيل أنشطة قطاع المقاولات وتقديم دراسات مفصلة في تطوير المعايير الفنية والمالية لمزاولة نشاط المقاولات، وتصميم برامج التدريب للمهن التي يحتاج إليها القطاع.
ورابعا: لمساعدة لجان الغرف والمقاولين على تخطيط وتنفيذ التدريب وإقامة الدورات والبرامج القصيرة والطويلة الموجهة لنشاط التشييد والبناء وتنظيم الأبحاث في هذا القطاع. وليس من الضروري أن يتم ذلك من خلال هيئة أو تشريع مستقل، فبالإمكان التنفيذ تحت مظلة تنظيمات وقوانين الغرف التجارية.
وخامسا: في تقديم المشورة الفنية نحو معالجة مشكلات التمويل وتحدياته، واستخدام الأسواق الاستثمارية في دعم تمويل قطاع البنى التحتية وبعض الحلول التمويلية الأخرى، والتواصل مع المؤسسات المالية ومحاولة حل أو توفيق القضايا العالقة وفق أرضية يفهمها الطرفان.
وسادسا: الاستفادة من وتوثيق تجارب شركات كبرى كـ "أرامكو" و"سابك" في تطوير قطاع المقاولات الوطني والمقاول السعودي، بهدف الوصول إلى وجود مقاولين ذوي كفاءة عالية وقادرين على تنفيذ مشاريع عملاقة.
وسابعا: لتقديم المساعدة الفنية والإدارية للمنشآت الراغبة في الاندماج على عمليات البحث والتفاوض مع الاستشاريين أو الشركات الاستشارية.
وثامنا: لتمثيل المقاولين في متابعة مصالحهم لدى الحكومة وغير الحكومة، ومتابعة تطبيق قرارات الحكومة بصورة أكثر تنظيما وقوة مما هو جار. وفي هذا ينبغي أن يساعد على متابعة وتسريع إنجاز الحكومة مهامها. وهذه المهام تتركز في سماع وتفهم وجهات نظر معدة جيدا تمثل المقاولين، وتذليل الصعاب الناشئة من القوانين والأنظمة الحكومية التي تحكم السوق، أو التي تعمل من خلالها السوق.
ومن أمثلة التسريع المؤمل من البناء المؤسسي متابعة التعديلات والتطويرات المقترحة في التشريعات القائمة، مع من يعنيهم الأمر. ومن الأمثلة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الوزراء، مثل القرار رقم 23 بتاريخ 27/1/1428 هــ، والقرار رقم 155 بتاريخ 5/6/1429هــ، وهي قرارات صدرت لتذليل المعوقات التي تحد من إمكانات وقدرات وتطور قطاع المقاولات الوطني. من قرارات مجلس الوزراء السابقة تقديم تصور، يرفع إلى المقام السامي، بشأن إعادة العمل بصندوق تمويل المقاولين الذي أنشئ عام 1396.
والموارد البشرية التي يفترض أن يوظفها المقاولون تحت مظلة لجان المقاولين في الغرف سيكون من أول واجباتها السعي إلى تحقيق ما يرغب المقاولون في تحقيقه من خلال مطالبتهم بإنشاء هيئة للمقاولين أو المقاولات.
تمويل هذه البنية المؤسسية ينبغي أن يتم من خلال اشتراكات ومساهمات شركات ومؤسسات المقاولات. وكثير من هذه المنشآت ذات ملاءة مالية عالية، وهناك عدد كبير من المقاولين المصنفين، وكل واحد منهم نفذ مشاريع بقيمة لا تقل عن مئات الملايين من الريالات سنويا، وحقق أرباحا مجزية. ألا يمكن لمقاولي المملكة وعددهم بعشرات الآلاف تمويل خدمات عالية المستوى لخدمتهم أنفسهم؟ بلى.
وباختصار، تطوير مقاولات البناء والتشييد ومعالجة مشكلاتها أوسع بابا من إصلاح أو تطوير القوانين الحكومية الضابطة لعمل أنشطة المقاولات والمناقصات والمشتريات الحكومية. بإمكان المقاولين بأنفسهم، ضمن الأنظمة المرعية وتنظيمات الغرف التجارية، تطوير بنية مؤسسية أقوى وأعلى فاعلية من الموجود. والغرض مساعدة قطاع البناء والتشييد على تحسين أدائه وتطوير قدراته، ومعالجة مشكلاته. وجود هيئة للمقاولات ليس شرطا لقيام أو نجاح تلك البنية. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي