رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


مَنْ مِنْكُمْ مُحَمَداً؟!

جِذْرُ الشجرة أهم جزء فيها، فهو أول ما يَنبُتُ منها، وهو وَتَدُها وحَافِظ ثباتها، وهو ساقيها و مُغَذِّيها، وهو نقطة اتصالها بالأرض أمها، ورغم ذلك فهو جزء غير مشهور فيها، إذ لم ينل من ثناء الزُّراع ولا من وصف الشعراء شيئاً، لأنه مطمور في العمق، يؤدي دوره دون أن تراه عين!.

الجِذرُ الذي تقوم عليه حياة الشجرة، لا يُقام له ذكر، ولا تُذكر له مَحاسن، في الوقت الذي تتلى فيه آيات المدح في شأن وريقات تسعي نحو الذبول والتساقط، أو في شأن زهرات تنثرها موجات الريح كلما هاجت.. هكذا حكم البشر، الذين يحكمون بما يشاهدون، إضافة إلى ما يعتري حكمهم من قصور، لقصورٍ في الفهم والإحاطة، ذلك إنْ تجردوا من الأهواء والأغراض!.

فهل قلل انحسار شهرة الجذر من أهمية دوره؟!.
وهل زمجر الجذر يوماً واستدار نحو الضوء يبحث في أروقة الشهرة عن مكان؟!.

الإجابة: لا، لم يحدث.. لماذا؟ لأن الأدوار الموزعة، بل المقدرة، ليست كلها ظاهرة، بل إن شئت فقل: إن الأدوار المتوارية عن عيون الشهرة أكبر وأهم بكثير من الأدوار المُحَاطة بهالات النجومية والمجد، ومن ثم فليس المهم أنْ تكون أين؟! في الجذر، أم في الساق، أم في الأوراق، أم في الثمار.. المهم أنْ تكون كيف؟! أي على أي وجه تؤدي دورك في الحياة؟.. إن كان بصدق وإتقانٍ فأبشر، وإن كان دون ذلك فراجع نفسك.. هذا واحدة.

الثانية.. من الحكمة أن تقبل المكان الذي أنت فيه، تعايشاً وليس استسلاماً، حتى يُخرجك الله - إثر رضاك وشكرك - إلى ما تحب وترجو، وفي كل الأحوال يجب أن تقبل مشيئة الله بنفس راضية، لأن الله يعلم ما فات وما هو آت، وأنت لا تعلم من أمرك إلا حَالُ اللحظة الآنية التي تمر بك، وعليه فاختيار الله لك - رغم سعيك نحو المزيد - هو الخير، لا شك.

الثالثة.. بعضنا يتقمصُ دوراً ليس له، فيخطئ خطأ لا يُصْلِحُهُ الندم.. ف"عبد القادر" مثلاً، لا يجب أن يكون "علياً" أو "عمر" لأن الحياة تطرح النسخ المُقلدة جانباً ولا يبقي إلا الأصل.. نعم قد نتشابه في بعض الأمور من أجل التعايش و إيجاد مساحات للتفاهم، وقد نتخذ من فلان قدوة لتجويد الفكر والسلوك، ولكن لا يجب أن يذوب كيان داخل كيان آخر، لأن ذلك ضد طبيعة الأشياء، وتعافه كل فطرة نقية.
بل إن المُقلدين الذين ينزعون جلودهم - بحثاً عن الشهرة - ليضعوا على أبدانهم جلوداً لآخرين بدلاً منها، لا يُدركون من قلدوا، كما لا يَعودون إلى طبيعتهم الأولى.. "فمن قلده غيره نسي نفسه!"، وقصة الغراب الذي قلد الطاووس يوماً خير شاهد، إذ يُحكي أن غراباً أُعجب بطاووس فتمني أن يكون مثله، فذهب إلى طاووس ميت فنزع من عليه ريشه وزين به نفسه، ثم ذهب يقلد الطاووس في مشيته، فرآه بقية الغربان فعرفوه، فضحكوا عليه، فأسرع ينزع الريش خجلاً ليعود كما كان غراباً، فاكتشف أنه من وطأة تقليد مشية الطاووس قد نسي مشيته، فلا استطاع أن يكون طاووساً، ولا استطاع أن يعود إلى سيرته الأولى!.

الرابعة.. وللباحثين عن بريق الشهرة أن يتخيلوا حال جذر الشجرة إنْ أبي العمل في باطن الأرض وفى جوف الظلام.. ماذا سيكون حاله؟!. إنَّ الجذر لو استدار إلى أعلى ليبحث عن ضوء تاركاً مكانه في الأعماق لهلك وهلكت معه كل الشجرة.. لذا فإن المنقلبون على مِهنهم التي تقع في الظل، لا يضرون أنفسهم فقط، وإنما يضرون المجتمع بأسره!.

فيا عزيزي.. لا تجهد نفسك في البحث عن الشهرة، ودعها إنْ شاءت تبحثُ عنك، وما عليك إلا التركيز في مهمتك التي تؤديها مهما كانت بسيطة، وليكن دأبك كدأب صاحب النقب، الذي ذُكر في التاريخ بهذا الاسم، لأنه من طلب ذلك، رغم أنه أدي عملاً عظيماً.. وهذه قصته:
كان مسلمة بن عبد الملك بن مروان أحد قادة الفتح الإسلامي الأبطال، وفي يوم من أيام جهاده حاصر حصناً من حصون الروم، فندب الناس إلى نقب منه فما دخله أحد، وجاء رجل من عرض الجيش ففتحه الله على المسلمين ونادي مسلمة: أين صاحب النقب؟ فما جاء أحد، فنادي: إني قد أمرت الآذن بإدخاله ساعة يأتي، فجاء رجل فقال للآذن، استأذن لي على الأمير، فقال له: أنت صاحب النقب؟ قال الرجل: أنا أخبركم عنه، وأتى الآذن مسلمة فأخبره عن الرجل، فأذن له فقال له: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً:
(1) ألا تُسوِّدوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة.
(2) لا تأمروا له بشيء، يقصد العطاء.
(3) ولا تسألوه من هو؟.
قال مسلمة: فذاك له، قال الرجل: أنا هو.
فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاة إلا قال: اللهم احشرني مع صاحب النقب.

وأخيراً: كان الرجل يأتي المدينة قاصداً رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يجلس بين أصحابه، فيقول: مَنْ مِنْكُمْ مُحَمَداً؟!.

فهل وصلت الرسالة؟!.

* باحث في علم الإحصاء - مصر

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي