النوادي الأدبية .. هل تتحول إلى نواد ثقافية؟!
النوادي الأدبية التي ترعاها وتدعمها وتشرف عليها وزارة الثقافة والإعلام تدور في دائرة ضيقة من الترف الأدبي والقوالب الفنية المحدودة, وتتناول قضايا بعيدة عن هموم المواطنين واحتياجات الوطن. وبما أن الأدب بجميع أنواعه وأشكاله يعكس حالة المجتمع ويسجل حركته في لحظة تاريحية معينة، إلا أن الإغراق فيه يكون على حساب المستقبل والقضايا الوطنية الأهم والواقع الذي نعيشه بما يكتنفة من مشكلات وأزمات. تسمية هذه النوادي بالأدبية تحجيم لدور المفكرين والمثقفين الذين يملكون الفكر, لكن ليس بالضرورة الصياغة الأدبية والحس الفني, وهذا أمر جد خطير, خاصة في بلد نام كبلدنا يتطلع إلى النهوض وبناء مجتمع مثقف واقتصاد فاعل وصناعة تنافس الآخرين . لذا يخشى أن التركيز على الأدب ومنحه هالة قدسية ونخبوية أن يتحول إلى ترف فكري تجريدي, أو تفسير ووصف حال المجتمع والدعوة إلى التغيير الاجتماعي من منظور أيديولوجي صرف, قد يكون في بعض الأحيان مستوحى من تجارب وثقافات مجتمعات أخرى، ما قد يعطي مدلولا خاطئا وينفر العموم من التأمل والتدبر والتفكر ويحبطهم لأنهم يجدونه غريبا عن ذواتهم ولا يحاكي واقعهم.
والمصيبة أن هذا الإغراق والتنطع اللغوي والمبالغة في البعد الفلسفي تنتج عنها صراعات أيديولوجية هي في جوهرها نقاشات بيزنطية لا طائل من ورائها. هذه المبارزات الفكرية في معظمها لا تتعلق بادارة المجتمع والاقتصاد وطرح رؤى مستقبلية تقود المجتمع إلى مستويات أعلى من التحضر الاجتماعي والتقدم الصناعي والتطور الإداري. هل يعقل أن يكون الإنجاز الأدبي في بلد نام مقدما على الإنجاز الاقتصادي والصناعي والإداري؟ أي هل تغني الصياغة الأدبية الجذابة التي تلامس مشاعرنا وتحرك عواطفنا عن طرح أفكار إبداعية وأساليب وطرق جديدة لأداء الأعمال وتطوير إدارة المجتمع؟ الواقع يقول نعم! والدليل تسمية النوادي بالأدبية وليس الثقافية!
والحقيقة إننا لا نستطيع كمجتمع التطور والترقي إلا إذا كان هناك أداء جماعي متناغم فكريا, بحيث يكون هناك ترابط بين المفكرين والمنفذين. فلا يكفي أن يكون هناك أفراد مبدعون متميزون وطرح أفكار ونظريات وتوجهات وحسب، إنما لا بد من إيجاد نظام متكامل يوظف هذه الأفكار والإبداعات لمصلحة المجتمع، ولذا فمكوث المفكرين والأدباء في أبراج عاجية والتحدث بلغة بعيدة عن الواقع يضر ولا ينفع! لا يمكن قبول الإبداع الفني والأدبي لصورته الجمالية فقط دون أن يضيف هذا العمل إلى جهود التنمية الوطنية وإعادة تثقيف المجتمع بتعزيز قيم احترام القانون والوقت والإنتاجية.
الأصل في النقاش الفكري أن يقود إلى تحقيق المصالح العليا للأمة داخل إطارها القيمي، وليس لإثبات الذات والتحوصل الفكري في دائرة ضيقة بحيث يكون هم كل مجموعة أو فرقة تتبع تيارا فكريا التبرير لصحة رأيهم تجريديا دون ربطه بالمنفعة الاجتماعية. هكذا يتحول النزاع بين الفرقاء والتيارات الفكرية المختلفة إلى مبارزة فكرية في معظمها لا تمت بصلة إلى واقع الأمة, فإما جديد مستورد وإما قديم عفى عليه الزمن. وسيظل هذا النزاع أبد الدهر, لأن القديم والجديد لا يلتقيان, والسبب أنهم خارج دائرة الزمن ولا يعيشون الواقع. كل ذلك يحدث أمام مرأى العموم, ويرون أن هذا التحاور والإنتاج الأدبي بعيد كل البعد عن واقعهم وهموهم فكرا وطرحا وحلا, فتصيبهم حالة من اليأس وسوء الفهم لمقاصد النقاش الفكري, ويزيد الشقة بين النظرية والتطبيق, وهذا يصيب جهود التنمية الاجتماعية والاقتصادية في مقتل.
ما فائدة رواية سكبت في قالب فني وصياغة لغوية جذابة لكنها لا تحاكي الواقع, ولربما خالفت كثيرا من القيم, ومع هذا ينبري لها النقاد بالتحليل والتقييم الفني الصرف دون التعرض للأطر الأخلاقية؟ وماذا عساها أن تفيد المجتمع؟ البعض يصفق ببلادة لنتاج أدبي لا يغني المجتمع ولا يزيد من تقدمه ولا يدفعه للحاق بركب المجتمعات المتقدمة، بل إنه بعيد كل البعد عنه وكأنها ترجمات ركيكية لثقافة ونتاج مجتمع آخر. هذا الإغراق في الترف الأدبي يكون على حساب الفكر التطبيقي التقني أساس تقدم المجتمع.
يبدو أننا نشطح بعيدا ونقفز على مراحل التطور الاجتماعي لنضع العربة أمام الحصان فبدلا من أن يكون الأدب نتاج الحضارة والثقافة السائدة والتطوير من داخلها راح البعض يبحث عند الغير ليجلب الفكر دون أدوات وآليات التطبيق لنقول ما لا نفعل. إن هذا الاستيراد الأدبي أشبه ما يكون بالذين استهوتهم التقليعات القادمة من الغرب والشرق في الملبس والمظهر ليقلدوهم تقليدا أعمى ظنا منهم أن هذه القشور هي عين التحضر والرقي! أين الخبراء الوطنيون في الاقتصاد والإدارة وعلم الاجتماع والفيزياء والكمياء والهندسة وغيرهم من باقي التخصصات عن هذه النوادي الأدبية وما ذنبهم إن كانوا يحملون فكرا وقدرات ومهارات, لكن لا يستطيعون صياغتها في قالب فني أو التعبير عنها بنص أدبي. الحديث هنا لا يقلل من شأن الأدب, بل على العكس تماما يرفعه إلى مرتبه متقدمة من النضج الحضاري, وهذا يعني أن المجتمع يجب أن يستوفي احتياجاته الأساسية من العلم والمعرفة والمخترعات والصناعات أولا، ومن ثم يكون للأدب هذه المساحة الكبيرة من الاهتمام والرعاية. لا شك أننا نشعر بالفخر أن ينال أدباؤنا الجوائز عن رواياتهم ونتاجهم الأدبي, لكن ما الفائدة إذا كان بعضها لا يعبر تعبيرا حقيقيا عن حال المجتمع أو لا يلامس احتياجاته وأولوياته. المجتمع يواجه تحديات كبيرة, فهناك البطالة والفقر والجريمة والمخدرات تنهش في جسده, ومع ذلك مازالت قضايا العلاقة بين الجنسين والتحلل من القيم والعادات والتقاليد بتطرف شديد تستحوذ على الاهتمام وتكون مدار التطوير وأساس التغيير الاجتماعي ومرتكز أكثر النقاشات!.
لا أحد ينكر أن قضية مثل قيادة المرأة السيارة قضية تستحق النظر, لكن بعمق ثقافي ونظرة شمولية وبحث جذور المشكلة, وليس ظاهرها. وهذا لب المسألة, إذ كيف لنا أن نناقش هذه القضايا باشتراط صياغتها أدبيا وكأنه هروب من الواقع والتخفي وراء الرمزية حتى لا تكاد تكون مفهومة، أو في حالات أخرى للتسويق والترويج لتيار فكري دون قصد تحقيق المصالح العامة وفيما لا يعود بالنفع على المجتمع وتحسين معيشة الناس! هناك كثير من القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تتطلب منحها مساحة إن لم تكن أكبر فمساوية للمساحة الأدبية!.
إن اسم الأندية الأدبية لا ينسجم مع اسم الوزارة المعنية بالثقافة والإعلام, ولا يحقق احتياجات المجتمع بجميع فئاته. المطلوب تغيير اسم الأندية الأدبية إلى الأندية الثقافية لفتح المجال أمام جميع المفكرين والمبدعين, وليس فقط الأدباء, في التداخل ونقاش قضايا وموضوعات تتعلق بإدارة المجتمع وطرح حلول اقتصادية وتقنية وعلمية تسهم في التنمية الوطنية وتصب في تحقيق طموحنا "نحو العالم الأول"، ومكملة لجهود المركز الوطني للحوار الوطني. ونافلة القول الأدب شكل والثقافة محتوى، فهل نقدم الشكل على المحتوى؟!