المتقاعدون .. أنت مليكهم المفدى
في شباط (فبراير) الماضي دقت ساعة العمل وبدأ ــ على بركة الله ــ بنك الإنماء أعماله المصرفية, وكان إعلان افتتاح البنك يمثل بارقة أمل عند كثير من محدودي الدخل, وبالذات عند فئة المتقاعدين الذين سدت في وجوههم كل الأبواب وظنوا أن افتتاح بنك الإنماء هو البارقة التي لاحت لتعيد الأمل إلى النفوس المكلومة.
أحد الأصدقاء المتقاعدين شمر عن ساعديه وحمل أوراقه تحت إبطيه وركب مركبته المهكعة واتجه بسرعة نحو أحد فروع بنك الإنماء, وبعد وصوله البنك اتجه صوب (كاونتر) الاستعلامات ونزع ورقة الوقوف في الطابور, ثم تقدم بثقة نحو الموظف ولم ينس أن يعلق ابتسامة عريضة على محياه, ثم بث في الموظف رغبته في الحصول على قرض لبناء منزل, وبادله الموظف بابتسامة ماكرة, وسأله السؤال التقليدي إياه: أين مكان العمل؟ فقال له صديقي إنه متقاعد, وبسرعة سأله الموظف عن عمره, فقال له صديقي وقد بدأ الأمل في الحصول على قرض يتراجع هنيهة, لقد تعديت الـ 60 خريفاً, فقال له الموظف بسرعة وكأنه يتعجل إنهاء المقابلة ليبدأ مع زبون آخر لم يبلغ الـ 60 خريفاً, إن النظام في البنك لا يقرض من بلغ 60 سنة, ورد عليه صديقي المتقاعد حتى أنتم يا بنك الإنماء. ونهض الصديق من مقعده واستدار صوب بوابة الخروج وهو يجر أذيال الخيبة والانكسار. وجاءني الصديق العزيز يقص علي قصته المكلومة, ثم قال: لقد لاحت فكرة إنشاء بنك الإنماء بعد أزمة الأسهم 2006، وكنا نظن أن بنك الإنماء جاء ببعض التنازلات كي يتيح للناس فرصاً للتعويض, أمَا وإن البنك يسير بنظام البنوك الأخرى نفسه ويمنع إقراض كل من بلغ 60 عاماً, أي يمنع القروض عن المتقاعدين فإن المتقاعد ما زال يشعر بظلم المجتمع والأنظمة التي لم تراع حقوق الإنسان في المتقاعد ولم تقدر السنوات الطويلة التي كان فيها هذا المتقاعد موظفاً وشاباً يفني حياته في خدمة وطنه وناسه.
ولعلي أتساءل: لماذا كل الأنظمة تقف موقفاً عدائياً من الموظف الذي يبلغ 60 عاماً, بدءاً بأنظمة التأمين ثم أنظمة القروض وأنظمة التقسيط حتى نظام الخدمة المدنية؟ نعم كل هذه الأنظمة تتخذ موقفاً عدائياً من الموظف الستيني، وفي تقديري فإن الموظف الذي يبلغ الـ 60 ربيعاً.. يحتاج إلى مزيد من رعاية المجتمع, لأن رعاية المواطن إذا كانت مطلوبة حينما يكون على رأس العمل, فهي واجبة بعد أن يحال إلى التقاعد.
إن أنظمة التأمين تقف ممن بلغ 60 عاماً موقف الرفض الكامل, فكل مواطن بلغ 60 عاماً, فإنه يفقد أهم شرط من شروط التوقيع على بوليصة التأمين على الصحة أو التأمين على البيت أو التأمين على الحياة, وعليه أن يلقى مصيره المحزن مع ثلة من الأمراض التي ورثها في فترة قيامه بمهام الوظيفة, كما أن المواطن الذي بلغ الستين فإنه يفقد أهم شرط من شروط اللياقة النظامية المؤدية إلى الحصول على قرض لبناء مسكن أو شراء سيارة أو ثلاجة أو حتى دراجة, وهكذا فإن الإنسان بمجرد بلوغه سن الـ 60 فإنه ُيْقصى من المزايا الكريمة للإنسان الذي شرفه الله ــــــ سبحانه وتعالى ــــــ بخدمة أمته ومجتمعه! وأمام كل هذا العداء المستطير، فإن نظام الخدمة المدنية وقف موقف المتفرج, ولم يبن درعاً واقية تحمي ابنها الذي تربى وتربرب في حضنها طوال فترة خدمته, إنما تكتفي الوزارة بإبلاغه بقرار انتهاء الخدمة, ثم ترسل صورة من القرار إلى المؤسسة العامة للتقاعد للتعامل مع الموظف الذي خرج من ملاكها وأصبح مستحقاً لتسلم حقوقه التقاعدية من المؤسسة وليس من الوزارة، وبهذه النهاية السلبية تنهي وزارة الخدمة علاقتها بابن أعطى للوزارة كل شبابه وصحته. طبعاً كان المطلوب من الوزارة أن تبقي خيطاً من العلاقات الإنسانية مع أبنائها وتصمم مشروعاً يعبر عن استمرار العلاقة الإنسانية والأخلاقية مع أبنائها، إمّا عن طريق إنشاء الأندية أو تأسيس الجمعيات التعاونية أو وضع تفاهمات مع البنوك وشركات التأمين تضمن ـــــــ على الأقل ــــــ توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمتقاعدين وبالذات الحياة المتعلقة بالسكن والتأمين على الصحة.
آخر البلاوي إنه وقع بين يدي بروشور موشح بعبارة "وطن واحد, عائلة واحدة, بنك واحد", ولكني بعد أن قرأت البروشور أصبت بصدمة وتمتمت قائلاً: حتى التخفيضات في الخدمات والمشتريات تُنحي الستيني جانباً .. هكذا حتى حينما نطلق الشعارات إنما نطلقها وهي فارغة من محتواها وليس فيها فعل يعبر عن الوطن الواحد والعائلة الواحدة والبنك الواحد .. لماذا نغتال إنسانيتنا بهذه البساطة؟!
إن هذه القصص التي أصبحت تتزايد مع تزايد قوافل المتقاعدين تحتاج بقوة إلى البحث عن حلول, إن التأمين على الصحة هو أحوج ما يكون للستيني قبل غيره من الذين لا يزالون ينعمون بربيع أعمارهم, وإن القروض لتأمين السكن هي أجمل هدية يجب أن نقدمها للستيني الذي خدم مجتمعه لنحو 40 عاماً, وإن البيع بالتقسيط سياسة بيعية يجب أن تقدم مع الشكر الجزيل إلى الستيني قبل أن تقدم إلى العشريني أو الثلاثيني.
البعض يقول إن قوانين القروض والتأمين التي تطبقها البنوك وشركات التأمين في المملكة هي القوانين السائدة في كل أنحاء العالم, وإذا كان الأمر كذلك, فإننا لا نتمنى أن نكون حرصاء على تطبيق قوانين تتعارض مع نظامنا الإسلامي الخالد، ولا تراعي أبسط قوانين حقوق الإنسان وتتنكر لموظف أفنى زهرة شبابه في أدائه عمله أيام الصحة والنضارة والعز, وما نعرفه يقيناً أن الغرب يميز الموظف المتقاعد بكثير من المزايا والعطايا ولا يتركه يغرد وحيداً في العوز والفاقة والحرمان. إنني أرجو من الأمير سعود بن عبد الله بن ثنيان وزملائه أعضاء جمعية المتقاعدين أن يعملوا ما وسعهم الجهد كي يحافظوا على كرامة الإنسان المتقاعد, وأظنهم مدركين هذا الواجب المهم, ويجب أن يستثمروا كل الظروف التي تحيط بهم ويرفعوا شعاراً للجمعية يقول: "لنحافظ على كرامة الإنسان السعودي في الوظيفة وبعد الوظيفة". ولذلك فإن المواقف العدائية التي تتخذها مجموعة أنظمة القطاع الخاص والقطاع العام إزاء هذا الستيني الإنسان لا تتفق مع أبسط قواعد الشريعة السمحة ولا تتفق مع مبادئ حقوق الإنسان.
ومن منظور إسلامي بين القرآن الكريم مراحل حياة الفرد, وجعل الشيخوخة المرحلة الأخيرة من حياة الإنسان الدنيوية وقال تعالى: "هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلاً مسمى ولعلكم تعقلون", وورد في السنة النبوية الشريفة عن أبى هريرة ــــــ رضي الله عنه ـــــ قال: قال رسول الله ـصلى الله عليه وسلم "عمر أمتي من ستين إلى سبعين سنة", وما يقصده التشريع السماوي هنا هو أن الستيني جزء من حياة الإنسان المسلم الجدير بالرعاية والكفالة.
ويجب أن نعترف بأننا ــــــ كمجتمع سعودي ــــــ لم نكافئ الموظف المحال إلى التقاعد بما يستحقه من تقدير وتكريم نظير ما قدمه للمجتمع من تضحيات وخدمات طوال فترة الخدمة التي كان يقوم بها, بل بالعكس عاملنا الإنسان المتقاعد بالنكران والجحود وقفلنا أمامه أبواب الحياة الرغيدة والكريمة, وأعتقد أننا لا نبالغ إذا قلنا إن الموظف في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص دفع حياته وشبابه ثمناً لوظيفته, وطبعاً جنى فوائد هذه الخدمة من الرواتب المستحقة التي كان يقبضها مع مطلع هلال كل شهر, لكن لا ننسى أن الموظف أفنى ربيع عمره فداء لوظيفته, ولذلك حينما يحين وقت الاستراحة, فإننا يجب ألا نحرمه من الراحة ونيسر أمامه سبل الحصول على أبسط الاحتياجات الضرورية للحياة الكريمة وهما السكن الدافئ والعلاج اللذان يحتاج إليهما بعد أن تخطى سن العمل وبدأ سن التقاعد والمعاناة الصحية.
وفى الختام ألتمس من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز المفدى أن يتفضل مشكوراً ويأمر بنك الإنماء وغيره من البنوك بأن يعاملوا المتقاعدين على قدم المساواة مع بقية المواطنين ويسهلوا لهم القروض بضمان المنزل مثلاً, ويكفي المتقاعدين فخراً أنهم خدموا هذا الوطن الأثير إلى نفوسهم، وخدموا مواطنيه وأفنوا زهرة شبابهم في خدمته وخدماتهم.