المكسيك واليونان .. درسان من التاريخ (1)
يمثل الافتقار إلى الانضباط المالي واحدا من أهم الأسباب المتعددة, التي تؤدي إلى تورط الدول في الأزمات المالية والاقتصادية. هكذا تحدث خوسيه جويا وحكومته تغادر مراكز صنع القرار في المكسيك عام 2000، فلقد كان يتحدث بفخر عن قدرة المكسيك على تجاوز أزمتها الهائلة عام 1994/1995.
بعد سنوات من الإصلاح الاقتصادي وفي سبيلها لجذب الاستثمارات الأجنبية كانت الحكومة المكسيكية تتبع سياسات صرف جاذبة تضطر معها إلى التدخل والاقتراض من أجل تدعيم الاحتياطيات من العملة الأجنبية. لذلك لم يكن مستغربا أن تتدفق الرساميل الضخمة على المكسيك، حتى بلغت 104 مليارات دولار عام 1994، وهي كانت تمثل 20 في المائة من الرساميل التي انتقلت إلى الاقتصادات النامية في هذه الفترة. كانت هذه نتائج مذهلة بلا شك ونجاح لكل أولئك الذين قدموا توصياتهم للحكومة المكسيكية. لكن هذه الأموال الضخمة التي استثمرت في المكسيك كان مصدرها الأساسي الولايات المتحدة, فخلال تلك الفترة كانت معدلات الفائدة في الولايات المتحدة منخفضة بعكس المكسيك، وللاستفادة من فارق معدلات الفائدة وبتشجيع من الحكومة الأمريكية كان المستثمرون يقترضون من الولايات المتحدة الأمريكية ويدفعونها إلى الاستثمارات في المكسيك. هذا التوجه تسبب في زيادة أسعار الأسهم والعقارات وزيادة الأصول المصرفية، مع عجز ضخم في الحساب الجاري الخارجي وصل إلى 7 في المائة من الناتج المحلي.
لكن مع اقتراب نهاية عام 1994 بدا وكأن ذلك الإنجاز الاقتصادي قد تحول إلى كارثة. فقد وصل العجز في الميزانية المكسيكية إلى أكثر من 14 في المائة, الذي تزامن مع انتخابات جديدة وأعمال شغب. وبسبب الضغوط الاقتصادية الخارجية والأزمة السياسية بدأت الأموال الأجنبية بالمغادرة فعلا، ولمواجهة ذلك رفعت المكسيك سعر الفائدة وسمحت, ولأول مرة منذ سبع سنوات, بتخفيض عملتها بنسبة تصل إلى 15 في المائة, وكان من المتوقع أن تحدث هذه الأنباء هدوءا في حركة تدفق الأموال إلى الخارج, لكن الأمر جاء عكس توقع الحكومة المكسيكية. فقد ارتعبت الأسواق المالية العالمية بشدة, خاصة في الجارة الكبرى الولايات المتحدة ومصارفها وصناديقها الاستثمارية في ''وول ستريت'', التي استثمرت المليارات من الدولارات في المكسيك. ولأن الأسواق المالية شديدة العقاب فقد انخفضت العملة المكسيكية بأكثر مما كان مقررا حتى تجاوزت 30 في المائة من قيمتها, ودافعت المكسيك بشدة ضد ذلك الهجوم, وأعلن كلينتون رئيس الولايات المتحدة في ذلك الحين, أن حكومته ستضمن قرضا بـ 40 مليار دولار لمساعدة المكسيك في أزمتها. وبدلا من أن تتسبب هذه الأنباء جميعا ـ كما هو متوقع - في هدوء الأسواق إلا أنها زادت الأمر سوءا, فبعد أن كان المستثمرون يتشككون في نفاد الاحتياطيات الأجنبية من المكسيك أصبحوا على يقين الآن لتتزايد الضغوط على البيزو (عملة المكسيك) حتى اضطر المصرف المركزي إلى رصد جميع الاحتياطيات المتوافرة لديه لشراء البيزو فقط, وبذلك فقدت البلاد قدرتها على دفع قيمة ما تستورده من السلع الأساسية وتصبح الشركات العالمية - والأمريكية على وجه الخصوص - التي تتعامل مع المكسيك في ظروف صعبة والموظفون أمام مشكلة فقدان وظائفهم. نتيجة لذلك انتشر الرعب في العالم واستجابت الأسواق المالية عندما بدأ الجميع يبيعون ما لديهم من سندات وأسهم في ''وول ستريت'' والبحث عن ملاذات آمنة, الأمر الذي دفع بعدد كبير من العملات الأجنبية الأخرى التي تواجه ظروفا مثل المكسيك بصعوبات كبيرة واستنزاف للاحتياطيات الأجنبية لديها. ومع تباشير عام 1995 كانت المكسيك قد فقدت قدرتها نهائيا على إرضاء الأسواق المتعطشة للنزيف, لذلك فقد السياسيون صبرهم وأعلنت الحكومة المكسيكية أنها لن تتجاوب مع الأسواق مرة أخرى وأنها بالفعل استنفدت آخر ما لديها من احتياطيات, ولذلك ستتوقف عن الدفاع وتعلن الإفلاس. لم تكن البنوك العالمية في انتظار خبر أسوأ من هذا, لقد توقف النزيف فعلا, لكن بالموت هذه المرة.
تدخلت الولايات المتحدة ومعها صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية بهدف دفع قرض ضخم جدا للمكسيك حتى تتمكن من دفع التزاماتها الدولية، والعودة لاقتصاد السوق. هدأت الأمور كثيرا بعد ذلك وبقي السؤال الكبير: هل فعلا دافعت الولايات المتحدة عن مصالح المكسيك والاقتصاد العالمي أم عن مصالح المضاربين الجشعين في ''وول ستريت''؟ هذا السؤال بقي بلا إجابات حاسمة حتى مع خروج كلينتون من الحكومة، حتى مع اندلاع أزمات مالية مماثلة حول العالم ولم تتدخل الولايات المتحدة فيها وتركت تلك الشعوب تخوض حروبا أهلية ضروس كان بالإمكان تجنبها لو تعقلت الأسواق قليلا أو تدخلت الدول للمساعدة. حتى اندلاع أزمة اليونان ـ وهي أزمة شبيهة إلى حد بعيد بأزمة المكسيك - ما صاحبها من تدخل واسع لدول منطقة اليورو. وهو موضوع المقال القادم.