خُطة لاعتقال البَطَالة!
* توطئة.. «في الكون مفرداتٌ فاعلة و مفرداتٌ مفعولٌ بها، والإنسان يأتي بجدارة على رأس المفردات الفاعلة، كونه مميزاً - دون سواه - بعقل وإرادة جُعِلَ بهما خليفة في الأرض ليستعمرها وفق منهج قويم، وحين لا يُدرك الإنسان تلك الحقيقة يفقد الطريق والغاية، ومن ثم يتحول من فاعل إلى مفعول به، راضياً أن يكون ريشة تتقاذفها الريح أني شاءت!».
إنَّ النملة لا يُعْييها تدبير قوتِها ومَسكنها، لأنها طلَّقت العَجْز والكسل وأرادت الحياة، رغم ما يبدو عليها من ضعفٍ وقلةِ حيلة!.
ولكن يبدو أن كثيراً من الرجال الأشداء فشلوا أن يكونوا كنملة، وذلك حين أوقعتهم البطالة في شباكها اللعينة، فأصبحوا أسري في سجونها المُظلمة الكئيبة.. ليس لهم من صاحبٍ أو رفيق إلا اليأس أو الإحباط.. ليلهم نهار، ونهارهم ليل.. يتوسدون الفقر، ويلتحفون السؤال!.
لابد أن نعترف أولاً بأن البطالة - بكافة مستوياتها وصورها - صناعة بشرية مَحضة، ككافة الظواهر السلبية التي أفرزها التعامل الخاطئ مع معطيات الحياة، وهي - أي البطالة - لم تقفز إلى الواقع الاجتماعي العربي بين يوم وليلة، وإنما هي فيروس قديم تُرك ليعمل دون مكافحة حتى بانت أعراضه وتداعياته، فدارت رحى الحديث عن المقترحات والحلول!.
لنطرح استعراض تلك المقترحات والحلول الفخمة جانباً، ونبسط المشكلة لنعثر على مفتاح لتفكيكها، والذي سيجدُ القارئ أنه أمرٌ متاحٌ لكل باحثٍ عن طريق للخروج من نفق البطالة المُظلم.
لنتحدث إذن عن مسؤولية الفرد عن نفسه أولاً، ثم عن مسؤوليته عمن يعول ثانياً، كمدخلين لمحاصرة البطالة في مَهدها.
أولاً: مسؤولية الفرد عن نفسه..
تبدأ مسؤولية المرء عن نفسه من نقطة اكتماله بدنياً وعقلياً، إذ لا يجور عندئذٍ أن يبقى «هالوكياً» معتمداً على عائل في كسائه وغذائه وسقائه، مُدعياً أن خطاب التعيين لم يصل إليه، أو لا توجد وظيفة تتفق مع تخصصه، أو تتوافق مع طموحه، أو أن الوظائف المتميزة أضحت قاصرة على شريحة ضيقة تجِدُ من يساندها ويتوسط لها.. الخ.. كل هذه مبررات لا تسمن ولا تغني من جوع، لأن سوق العمل اليدوي أو الحرفي مفتوحٌ على مصراعيه، وليس عيباً ولا عاراً أن تُمارس عملاً حرفياً أو يدوياً ما دام حلالاً ويُدِرُّ دخلاً حلالاً، فأفضل خلق الله وهم الرسل مارسوا حرفاً يدوية.. نوحٌ - عليه السلام - كان نجاراً، داود - عليه السلام - كان حداداًً، موسي - عليه السلام - كان راعياً، إدريس - عليه السلام - كان خياطاً، محمد - صلي الله عليه وسلم - كان راعياً وكان تاجراً، فلا هوانَ في ممارسةِ عمل يُغنيك عن السؤال، حتى ولو كان إلى أقرب الناس إليك!.
قال على بن أبى طالب رضي الله عنه:
لَحَمْلِيَ الصخرُ من قمم الجبال أحبُّ إلىّ من منن الرجال
يقولُ الناسُ في الكسب عارٌ فقلتُ: العار في ذي السؤال
ثانياً: مسؤولية الفرد عمن يعول..
قديماًً كنتُ أُدْفعُ وأخوتي للعمل في شهور الأجازة دفعاً، رغم أننا لم نكن في حاجة للعمل، وكنا نتعجبُ آنذاك من هذا السلوك الذي كنا نري فيه قسوة لا مبرر لها، حتى مرت الأيام فاكتشفنا قيمة الدرس الذي تعلمناه بأقل الكلمات "العمل عبادة".. كان هنالك مسؤول يربي أولاده وفق نظام فطري يحكم حركة الأحياء عامة.. ذاك نظام تحترمه كافة الكائنات إلا الإنسان، لأنها جُبِلتْ على الطاعة، ومُنِحَ - أي الإنسان- نعمة الاختيار!.
* مشهد.. رأيتُ بعيني رأسي عصفورة تُعَلِّمُ ولدها الطيران.. وقفا معا على باب العش، وراحت الأم تصدر أصواتاً وحركات، وكأنها تشرح له الدرس الأخير قبل الشروع بالطيران، ثم طارت الأم في خط على شكل قوس أمام العش، ثم عادت، وكأنها تقول له: افعل هكذا.. مرة ومرات حتى طار ورائها وحط على فرع شجرة قريب، فذهبت إليه فرحة وكأنها تحييه على نجاحه الأول.. ثم انتقلا من فرع إلى فرع ومن شجرة إلى شجرة، حتى حلق الصغير في الفضاء مثل أمه تماماً، فعادت الأم إلى العش، ويبدو أنها كانت تُهيئه لبيض جديد، فعاد الصغير ورائها منهكاً يطلب الطعام عبر رعشة جناحين وزقزقة استعطاف، فنهرته الأم ودفعت به بعيداً عن العش، وكأنها تقول له: لم يعد لك في العش بعد الآن مكاناً.. اذهب واطعم نفسك من سعيك وتعبك أنت!.
يا سادة.. هل وصلت الرسالة؟!.
* باحث في علم الإحصاء - مصر