محاولة للوقيعة

أحد العناصر الأولية في الاستراتيجية تقول: يجب إشغال الخصم الفعلي أو المفترض بأجندتك لكي تحرمه من التركيز على أجندته. ما ورد في جريدة “صنداي تايمز” اللندنية عن سماح المملكة للطائرات الإسرائيلية بالطيران فوق المملكة بغرض تدمير المراكز الذرية الإيرانية، تسريب يمثل أحد استخدامات هذا العنصر في الفكر الاستراتيجي. يزداد الضغط السياسي على إسرائيل فتحاول جر دول أخرى للنزاع مع إيران. أتى البيان السعودي الرسمي ليوضح حقيقة الأمر إذ ليس هناك أي توجه من هذا القبيل. إيران بلد مسلم وجار، وللمملكة علاقة تدفأ وتبرد حسب ما تمر به أساساً سياسة إيران الداخلية من شد وجذب. ولكن الموقف من إسرائيل يختلف نوعاً وكماً.
محاولة الإيقاع هذه مكشوفة من أكثر من زاوية، فالمعروف أن مواقع إيران الذرية الرئيسة كلها في شمال إيران، ولذلك فإن أقصر الطرق وأقلها تكلفة وسرعة هو عن طريق العراق المكشوف فضائياً، حيث لا يزال تحت المظلة الأمريكية، وكذلك فإن الخبر الصحفي لم يذكر أي دول خليجية أخرى مما يوضح محاولة الإيقاع بين المملكة كدولة مؤثرة وإيران. ولكن مسرح العمليات السياسية (بشقيها السياسي بمعنى الألاعيب السياسية أو بمعنى السياسات كبرامج قابلة للتنفيذ بما يخدم الدول) أكثر تعقيداً، فإيران وتركيا تتنافسان على قيادة المنطقة بداية برفع شعار ما يرغبه الشارع العربي العالي العواطف والمتعطش للتنمية الفعلية والمستعد لعناق من يذكر فلسطين.
الواضح أن ديناميكية إيران الثورية لم تستقر بعد، فأحد التيارات الواضحة في النسيج الإيراني الداخلي هو تنامي العنصر القومي والأمني وإن كان مغلفاً بغطاء أيديولوجي. هذا الحراك السياسي الإيراني دفع بإيران تدريجياً إلى الاحتكاك مع كل الجيران، فهناك مسائل خلافية مع قطر على الغاز، وهناك مشكلة مع احتلال إيران للجزر الإماراتية، وهناك تدخلات في العراق، وكذلك مشكلات مع أذربيجان وأفغانستان، وتدخلات في البحرين ولبنان وحتى منافسة مع تركيا. ولكن يقابل طموح إيران جمود عربي لعله تعلم من كيّ المواقف العاطفية. الضغوط الغربية والإسرائيلية على إيران لها حراك خاص ليس لدول المنطقة دور يذكر فيه عدا العامل العاطفي الذي سرعان ما يستهلك.
يقول ما وتسي تونج زعيم الصين إن الأيديولوجيا تتغير ولكن الجغرافيا ثابتة، لذلك ستبقى إيران جارا مهما، هذا وقد سبق أن نصح جورج شولتز وزير خارجية أمريكيا، إسرائيل في فترة ريجان قبل أكثر من 20 عاماً أن العرب سيحصلون على الصواريخ الباليستية، ولذلك فمن الأجدى الإسراع إلى اتفاق سلام طويل الأجل. وقد كان ذلك عنصراً مؤثرا حين صدق التنبؤ وشاهدنا ما حدث بين حزب الله وإسرائيل في عام 2006 والتلميحات السورية في هذا الاتجاه.
يزداد الضغط على إيران سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً وكذلك يزداد الضغط على إسرائيل وإن كان أقل بكثير. دخول تركيا في حلبة المنافسة الإقليمية زاد الوضع تعقيداً، ولذلك يصعب التنبؤ بما سيحدث إلا أن التنافس الإيراني - الإسرائيلي يزداد استقطاباً ويحمل مخاطر على المنطقة.
دور تركيا سيبقى محدوداً فتركيا، لا تزال تحكمها العقلانية ولكنها تحاول أن يكون لها دور، وقد رأت أن ثمة فرصة بعدما رفضها الغرب من ناحية ورأت أن هناك فراغا استراتيجيا وإن كانت لن تأخذ مواقف متصلبة إلى حد التدخل العسكري في أي صراع محتمل بين إيران والدول الغربية وإسرائيل والدول العربية. هكذا .. وفي ظل هذه التجاذبات أتى الموقف السعودي واضحا ومؤيدا لتوجه سعودي قديم يرغب في أن تغير إيران سياستها في المنطقة، وأن يزداد الضغط على إسرائيل لكي تستجيب للمطالب الأساسية للفلسطينيين.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي