رؤية بديلة لإدارة تنفيذ الإصلاح الاقتصادي (2)

إعادة بناء وزارة الاقتصاد والتخطيط لتكون هيئة مركزية للاقتصاد والتخطيط لا بد من وجود بناء مؤسسي يعتمد عليه في المراجعة والتنسيق ومراقبة ومتابعة التنفيذ لكل ما يقع ضمن اختصاصات المجلس الأعلى أو التنفيذي، التي أهمها, بل جوهرها الإصلاح الاقتصادي.
يقترح أن يشكل الجهاز من إدارات رئيسة هي: التخصيص أو الخصخصة ـ الميزانية أو المالية العامة (المقصود دراسة ومراجعة مشروع الميزانية) - التخطيط القطاعي ـ التنمية الإقليمية المتوازنة - تنسيق التنفيذ ـ مراقبة ومتابعة التنفيذ ـ التقييم ومراقبة جودة التنفيذ ـ السياسات والعمليات الداخلية (صياغة وتنسيق سياسات التشغيل/العمل ومراقبة تنفيذ إدارات وموظفي الهيئة لها).
يرأس كل إدارة من هذه الإدارات شخص يرتبط برئيس الجهاز مباشرة، ويكون المجلس التنفيذي مجلس إدارة لهذه الهيئة.
تنظيم هذا الجهاز قد يدمج مع أمانة المجلس الاقتصادي، وقد لا يدمج بحيث تكون الأمانة جهازا صغيرا يعنى بأعمال السكرتارية فقط، لكنه تنظيم يتداخل قطعا مع أعمال وزارة الاقتصاد والتخطيط، وهذه قضية لا بد أن تعالج، منعا للازدواجية وتداخل الصلاحيات وتضخيم الجهاز الحكومي. وفي هذا أرى دمج هذا الجهاز المفترض مع الوزارة، وأن يعطى الجهاز المستحدث اسما مثل الهيئة المركزية العليا للاقتصاد والتخطيط أو هيئة الميزانية والاقتصاد، كما أقترح نقل هذه الهيئة مكانيا إلى موقع قريب من المجلس الاقتصادي، وأن يكون رئيسها (أي رئيس الجهاز التنفيذي) رئيسا للجنة الدائمة للمجلس الاقتصادي الأعلى.
بعض الدول ككوريا الجنوبية والهند وسنغافورة تبنت أساليب مشابهة لهذا الأسلوب المقترح، حيث يكون هناك مجلس عال للاقتصاد أو التنمية الاقتصادية، برئاسة رئيس الوزراء أو نائب له، ويتبع هذا المجلس هيئة للاقتصاد أو التنمية الاقتصادية أو الميزانية والتخطيط الاقتصادي ـ أو نحو ذلك من الأسماء- ويرأسها وزير يعمل أيضا مساعدا لرئيس مجلس الاقتصاد أو التنمية الاقتصادية، أيا كان الاسم، وتحت الرئيس عدة نواب أو مساعدون وفق تشكيل إداري يختلف بين دولة وأخرى بعض الشيء في أسماء إداراته الرئيسة، لكنه لا يختلف جوهريا عن التشكيل الإداري المقترح للإدارات الرئيسة.
هيئة الاقتصاد والتخطيط المقترحة لا بد أن تختار لها موارد بشرية عالية الكفاءة، ويرغب في أن تكون جهازا نموذجيا بحيث يعمل وفق أحدث وأنسب مستجدات التقنية والإدارة. وفي هذا المقام ينبغي طلب المساعدة من الجهات المتخصصة داخليا وخارجيا في وضع المواصفات ومعايير الاختيار والهيكلة وأسلوب العمل ومتابعة الأداء … إلخ، لأجل تلافى العيوب القائمة التي سبق الحديث عنها مثل ضعف الأداء والصلاحيات والقدرات الإشرافية والفنية لوزارة الاقتصاد والتخطيط.

تطوير هيئة الخبراء
تنظيم المجلس الاقتصادي نص على تزويده بعدد من المختصين في مجالات الاقتصاد والمال والتخطيط والتجارة الدولية والإدارة والأنظمة (القانون). والحقيقة أن هذا التزويد بالمستشارين المتخصصين يفترض أيضا أن يعم المجالس العالية الأخرى كالبترول وقبله مجلس الوزراء، فإن الحاجة إلى مختصين ليست مقصورة على المجلس الاقتصادي، بل تشمل المجالس العليا الأخرى. بدلا من الازدواجية والتضخم الوظيفي عبر تعيين مستشارين وخبراء في كل مجلس من مجالس الوزراء والبترول والاقتصاد، فإن الأنسب هو وجود جهة استشارية بحثية واحدة تخدم تلك المجالس. لا أرى حاجة إلى إنشاء هذه الجهة الاستشارية، فهناك هيئة الخبراء التابعة لمجلس الوزراء، لكن المستشارين في هذه الهيئة مقصور اختصاصهم على الشريعة والقانون فقط، ومن ثم فإن هناك حاجة ماسة إلى توسيع الهيئة لتضم خبراء ومستشارين في كل اختصاصات تلك المجالس.
الطاقم الاستشاري أو الفني العامل في هذه الهيئة ينبغي أن يكون مرجعا فنيا للأجهزة الحكومية مثل مرجعية المستشفى التخصصي للمستشفيات العامة.

المكتبة أو مركز المعلومات
من المؤكد أن الأجهزة السابق الحديث عنها في حاجة إلى مركز معلومات/مكتبة عالية التجهيز والأداء.

الدراسات التفصيلية
من المهم عمل أو التكليف بعمل دراسات تفصيلية في الموضوعات التي يطلب البحث فيها المجلس الاقتصادي وتوابعه. ويتبع هذه الدراسات وضع إجراءات وآليات التنفيذ، والتي لابد أن تصاحبها أعمال متابعة وتقويم للتنفيذ بصورة أكفأ من الموجود.
يعمل الدراسات مستشارو هيئة الخبراء بعد تطويرها، ويشاركهم آخرون من ذوي التأهيل والخبرة العالية والمناسبة من داخل الحكومة وخارجها وداخل السعودية وخارجها، وفق معايير اختيار قوية تحدد بالتعاون مع جهات مرجعية، بما يتيح الفرصة للتعاقد مع كفاءات عالية من خارج الإدارة الحكومية أو خارج السعودية.

استراتيجيات طويلة بدلا من خطط خمسية
الدراسات يقترح أن تعمل على أساس استراتيجيات بعيدة المدى ـ أي مدتها مثلا 15 ـ 25 سنة، أما التنفيذ فيمكن أن يتم على أجزاء مرحلية، يتفاوت طولها حسب الحاجة. وهذا يعني إلغاء خطط التنمية الخمسية. ويستعاض عنها بتلك الاستراتيجيات مع برامج عمل لتطوير/إعادة بناء للموضوعات التي تجري دراستها في عمل الدراسات التفصيلية.

مشكلة تعارض المصالح
هناك شك كبير في أن تنجح الإدارة الحكومية في إصلاح ذاتها، دون معالجة مشكلة تعارض المصالح، وهي مشكلة أرى أنها من أسباب بطء وضعف جدية معالجة كثير من مساوئ الإدارة الحكومية.
من يتصدى لدراسة أو إعطاء مشورة أو يعطي حكما حول شأن، فإنه يفترض أو يحسن أن يكون طرفا محايدا في موضوع الدراسة أو المشورة، أو الحكم، وبالأخص غير متأثر مباشرة بما يتوصل إليه من توصيات. وبعبارة أخرى يجب ألا يكون خصما وحكما في آن واحد. هذه المسألة رغم أنها واضحة، إلا أنه لا يسار عليها في بعض ما يخص الإدارة الحكومية، حيث إن الجاري هو إسناد الدراسة والحلول لبعض المشكلات الحكومية المرتبطة بالإدارة والخدمة المدنية الحكومية مثل عجز الميزانية والدين العام، والإنتاجية والدوام والأداء الحكومي هو إسناد معالجة تلك المشكلات إلى مسؤولين وموظفين هم أنفسهم سيكونون خاضعين ومتأثرين بما سيوصون به. وبما أن أعمال الإصلاح في هذه القضايا ترتب بطبيعتها مزيد مسؤوليات وأعباء وتلغي أو تقلص بعض الميزات، ولذا فإن هناك تضارب مصالح. وهذا سبب – مع أسباب أخرى - للتباطؤ والتراخي والضعف في المعالجة.
من يكلفون بتطوير وإعادة بناء الإدارة الحكومية والمالية العامة والخدمة المدنية يفترض ألا يكونوا خاضعين مباشرة للقوانين التي يعملون على تطويرها أو تغييرها. فعلى سبيل المثال من يعملون على تطوير قوانين الخدمة المدنية ينبغي ألا يكونوا خاضعين لنظام الخدمة المدنية.
آلية التنفيذ ومتابعته وتقييمه
خطط التنمية رغم احتوائها على مناقشات في تنفيذ الخطط، إلا أنها مناقشات ضعيفة، ولا يبدو أن هناك آلية قوية للتنفيذ، وإن وجود الحاجة إلى إصلاح اقتصادي لوحده كاف للدلالة على ضعف آلية التنفيذ، وكذلك متابعته.
وللتدليل على ما قلت أنقل لنقرأ العبارة التالية من الفصل الأول، من خطة التنمية السابعة المقرة من مجلس الوزراء:
''إن توثيق الارتباط بين الخطة وعمليات إعداد الميزانيات السنوية العامة للدولة يعد من أهم الأسبــاب المؤدية إلى نجاح تنفيذ الخطة. وتؤكد خطة التنمية السابعة على أهمية ربط اعتمادات أبـواب الميزانيـة بالأهداف والأولويات الواردة في وثيقة الخطة والبرامج والمشاريع الواردة في الخطـط التشغيليـة المختلفة، والالتزام برصد البرامج والمشاريع بأهداف الخطة وأسسها الاستراتيجية''.
راجعت الخطة ولم أجد فيها ربطا واضحا بين أبواب الميزانية العامة وأهداف واستراتيجيات الخطة والأولويات الواردة فيها، ولا بيانا للتوزيع (أو التوزيعات) الأمثل للميزانية الذي يتمشى مع استراتيجيات وأهداف الخطة، ولم تحلل الخطة توزيع الميزانيات السابقة، ومدى توافقها مع التوزيع الأمثل، وسبب الاختلالات وكيفية معالجتها.
على عاتق المجلس التنفيذي المقترح تكليف من يرى لتطوير الموجود، ووضع دليل مفصّل يحوي الأنظمة واللوائح والقواعد المفصلة الموضحة لصلاحيات وواجبات المجلس، والهيئة الاقتصادية، وصلتهما بالأجهزة الأخرى. ومن أهم ذلك، العلاقة وطريقة التعامل بين إدارة الميزانية في الهيئة المكلفة بدراسة مشروع الميزانية، وإدارة الميزانية في وزارة المالية، المسؤولة عن إعداد مشروع الميزانية. كذلك يفترض أن يحتوي الدليل على إجراءات وطريقة العمل في المجلس، وفي الهيئة، وإجراءات تعاملهما مع الأجهزة الأخرى.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي